![]() |
حكم التدخين في الاسلام
أولا: مقدمة عن الحلال والحرام في الإسلام
الحلال والحرام في قصة آدم وحواء :
تكررت قصة آدم وحواء في القرآن في جملة مواضع منها(البقرة 34-،الاعراف 11-،الإسراء 61-،الكهف 50-،طه 116-)،والقرآن لا يكرر شيئا الا للعبرة والتأكيد علي الاستفادة من الدرس ولم تستفد البشرية من قصة ابيهم آدم كما ينبغي، لذا يعيشون في شقاء مستمر .والمستفاد من دروس قصة آدم وحواء الاتي .
1-حين امر الله تعالي الملائكة بالسجود لآدم ،سجدوا كلهم جميعا الا ابليس الذي عصي واستكبر ثم اخذ يبرر ويعلل عصيانه بأنه خير من آدم وكيف يسجد لمخلوق من طين .
ونحن هنا امام موقفين بالنسبة لطاعة الآمر وهو الله تعالي صاحب الامر، فالملائكة سرعان ما اطاعوا امر الله رغم غرابته فنجحوا في اختبار الطاعة اما ابليس فقد عصي ثم اخذ يبرر عصيانه فأصبح عصيانه بدون امل في أي توبة ،فحقت عليه اللعنة والطرد من الملكوت الاعلي .
2-وحين عاش آدم وحواء في الجنة يتمتعان بكل ما فيها جاءهما اختبار الطاعة ايضا ،فقد اباح الله تعالي لهما ان يأكلا من كل اشجار الجنة الا شجرة واحدة نهاهما عن الاقتراب منها، وتسلل لهما الشيطان وأغواهما واخذ يسألهما عن سبب النهي عن تلك الشجرة بالذات وما زال بهما حتي اكلا من الشجرة المحرمة ،فخرجا من الجنة وهبطا الي الارض ولكنهما عندما وقعا في الخطأ استغفرا ربهما فتاب عليهما الله .
ونحن هنا امام موقف جديد من مواقف الطاعة وهو ان يقع المخلوق في المعصية ولكن يبادر بالتوبة فيتوب الله عليه. وعلي ذلك فان البشر امام قضية الطاعة لله تعالي ينقسمون الي ثلاثة مواقف :اما المبادرة بطاعة الامر مهما بلغت غرابة هذا الامر ،وهذه درجة المتقين الأبرار ،وهكذا فعل الملائكة عند السجود لآدم وهكذا يفعل المؤمنون عند تأدية الاوامر مع ما قد يكون فيها من غرابة ،والله تعالي يأمرنا بالأكل والشرب ( الاعراف 31)ولكنه يأمرنا بالصيام خلال شهر رمضان ،وعلي المؤمن ان يبادر بالطاعة دون ان يسأل عن السبب،ويقابل ذلك المبادرة بالمعصية والإصرار عليها وتبريرها بحجج وأسانيد ،كما فعل إبليس فاستحق اللعنة ،مثل هذا العاصي الذي لا أمل في توبته طالما برر العصيان بأدلة عقلية .والموقف الثالث هو العصيان ثم المبادرة بالتوبة والاستغفار …
والمفروض علي الإنسان الصالح ان يفهم هذه الحكمة من قصة آدم في جزئيها ،أي في اختبار الملائكة في السجود أمام آدم ،او في اختبار آدم وحواء في عدم الأكل من الشجرة المحرمة .وعلي المؤمن الصالح ان ينجح في الاختبار بالمبادرة بالطاعة ،و اذا حدث ووقع في الخطأ عليه ان يبادر بالتوبة .
(2)ولكن ما صلة آدم وحواء في موضوع الحلال والحرام في الاسلام ؟
في الحقيقة هي بداية القصة وأساسها ،ونكتفي بالاشارات التالية ..
1-في موضوع الحلال والحرام نري ان الله تعالي اباح لآدم وحواء كل الجنة ما عدا شجرة واحدة ،اذا فالاصل هو الاباحة والحلال ،والمحرم لا يكون الا استثناء يذكر بالنص والتفصيل .
2-ان التشريع الذي جاء لآدم وزوجه كان بالامر والنهي معا، ان يأكلا من الجنة حيث شاءا والا يقتربا من هذه الشجرة حتي لا يكونا من الظالمين .اذا هي شجرة واحدة يحرم الاقتراب منها وباقي الشجر حلال لهما .أي الامر والنهي من الله هنا هو تلخيص للشرائع السماوية التي جاءت فيما بعد :افعل او لا تفعل وكل انسان عليه ان يختار ويتحمل نتيجة اختياره .
3- انهما اطاعا امر الله في الاكل من المباح الحلال ولكن تسلل لهما الشيطان، ظل يوسوس لهما ويخدعهما ويزين لهما الاكل من الشجرة المحرمة حتي وقعا في الخطأ، ثم نزلا الي الارض ومعهما الدرس لأبناء آدم، ومن هنا كان التحذير الالهي لأبناء آدم ان لا يخدعهم الشيطان كما خدع أبويهم من قبل (الأعراف 27).
4- ان نفس القصة تتكرر في التشريع الذي نزلت به الرسالات السماوية، فالله تعالي اباح لنا الاكل من كل ما تخرجه الارض ونهانا عن اتباع خطوات الشيطان في تحريم هذا الحلال بقوله تعالي (يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين :البقرة 168 )(كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين :الأنعام 142 )ويقول تعالي بوجه عام( يا ايها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان :النور 21).
فما معني خطوات الشيطان ؟؟.
(3) أغلبية البشر يتبعون خطوات الشيطان :
حين طرد الله تعالي إبليس من الملأ الأعلى توعد إبليس أبناء آدم بالغواية بشتى السبل حتي لا يكون اكثرهم مطيعين لله تعالي ( الأعراف 17).
وعلي الفور بدأ خطته مع غريمه آدم وزواجه حواء حين كانا في الجنة ، وكما عصي ابليس ثم اخذ يبرر ويفلسف المعصية في عدم طاعته لربه في السجود لأدم اتبع ابليس نفس الطريق في خداع آدم ،فأخذ يوسوس إليه ليجعله يتساءل عن الحكمة في تحريم هذه الشجرة ؟واستخدم معهما أسلوب الترغيب والترهيب وان يقسم لهما بأنه ناصح لهما وما زال بهما حتي ذاقا الشجرة المحرمة .
وقد قلنا ان الطاعة هي تنفيذ الامر او الامتثال للنهي استجابة لصاحب الامر جل و علا ، يكفي ان يقول كذا فنسمع ونطيع دون جدال أو اعتراض أو استفهام او تردد .ولأن الحياة الدنيا قد جعلها الله تعالي اختبارا فإن من عناصر هذا الاختبار هو طبيعة الاوامر السماوية بإفعل او لا تفعل ، وغرائزنا التي لا تحب الاستجابة لهذا الأوامر ،ووجود الشيطان الذي يزين العصيان لأوامر الله تعالي ويجعل معصية البشر للخالق جل وعلا طاعة له بالتزوير والبهتان .
ومن هنا فإن الرسالات السماوية تأتي بافعل او لاتفعل ولكن كيد الشيطان يلاحق هذه الاوامر بالتزييف والاختراع ويزين للبشر تحريم ما احل الله واستباحة ما حرم الله، ولا يزال بهم حتي يؤسس للبشر تدينا مزيفا يخالف الشرع الالهي .
اذن هي خطوات مختلفة تؤدي الي نفس النتيجة وهي الغواية ،وذلك ما حذر منه الله تعالي حين قال بعد ان روى قصة آدم( يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة :الاعراف 27)وفي غواية ادم استخدم الشيطان تكتيكا خاصا استغل فية تشوق ادم الي معرفة كنه هذه الشجرة ،ولماذا حرمها الله فكان ان استحل ادم ما حرمه الله عليه واكل منها، وكثيرون من ابناء ادم يستحلون الحرام في الطعام والشراب والنساء والتصرفات ،فيأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر ويرتكبون الزنى ويقتلون ويسفكون الدماء البريئة ثم يتطور فعل المعصية الي استحلال المعصية واصدار تشريع يحل ما حرم الله .
وقد يغير الشيطان التكتيك فاذا كان سهلا عليه ان يقنع العصاة باستحلال المحرمات فانه يفعل العكس مع المؤمنين المتدينين ،اذ لا يزال يحثهم علي المبالغة والتطرف في التدين الي درجة تحريم الحلال .وهذا ايضا انتهاك لشرع الله قد يزيد علي استحلال الحرام لأنه مزايدة علي شرع الله وتشريع بغير ما انزل الله .ولكن الشيطان في تكتيكه وخداعه يجعل البشر المتدينين الذين يريدون المبالغة في الطاعة يبحثون عن الحكمة في التحريم ثم يضيفون محرمات اخري ،هي في شرع الله تعالي مباحة و حلال، وبمرور الزمن يزداد تحريم الحلال حتي يصبح التحريم هو القاعدة، والحلال هو الاستثناء خلافا لشرع الله ،وهذا بالضبط ما يريده الشيطان حين توعد أبناء آدم امام الله تعالي بان يحول بينهم وبين السراط المستقيم (لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين : الاعراف 16:17).
ومن اجل ذلك حذر الله تعالي الناس جميعا من تحريم الحلال ،وحذرهم من اتباع خطوات الشيطان فقال( كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين :البقرة 168) وكرر التحذير فقال (كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين :الانعام 142)وقال (يا ايها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان :النور 21) ومن اسف فان اغلبية البشر ينسون هذا التحذير.
لأن اغلبية البشر اما عصاة أو متدينون والفريقان معا ضحايا في الأغلب للشيطان ، فالعصاة يستحلون الحرام والمتدينون في الأغلب يحرمون الحلال، والدليل علي ما نقول هو موقف المتدينين من تحريم الدخان .
ان التدخين مع ضرره بالصحة (وهذا ما تعترف به شركات التدخين )الا انه ليس حراما، بل ان من يحرم التدخين فانما يقع في جريمة الاعتداء علي الله تعالي ، لأن الله تعالي هو وحده صاحب الحق في التحريم وقد فصل المحرمات وحذر من الاضافة اليها وحذر ومنع من تحريم المباح الحلال ،وجعل تحريم الحلال مساويا للشرك بالله تعالي والكفر به .
ونأتي الي تفصيل ذلك كله .
ثانيا :قواعد التشريع في الحلال والحرام في الاسلام :
يمكن تلخيص هذه القواعد في الآتي :
(1)الحلال هو القاعدة والحرام هو الاستثناء .
(2)النهي عن تحريم الحلال .
(3)اعتبار تحريم الحلال شركا بالله تعالي واعتداء علي حقه في التشريع .
وللقرآن منهج رائع في ربط هذه القواعد بعضها البعض ونأخذ امثلة علي ذلك .
1-في سورة النحل يقول تعالي (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ،واشكروا نعمة الله ان كنتم اياه تعبدون ،انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به ،فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم ،ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا علي الله الكذب ان الذين يفترون علي الله الكذب لا يفلحون ،متاع قليل ولهم عذاب عظيم .النحل 114:117).
ففي الاية 114 جاءت قاعدة ان الحلال هو الاساس فأمر الله بالاكل مما رزق حلالا طيبا مع الشكر علي نعمة الله وربط ذلك بالعبادة وفبي الاية التالية 115 جاء التحريم استثناء ،وهي بالتحديد الميتة والدم ولحم الخنزير والقرابين المقدمة لغير الله الي الأوثان وغيرها ،وما عدا هذه الاشياء الاربعة فهو حلال بل ان الاكل من هذه المحرمات تكون حلالا للمضطر طالما لا يفتي بتحليل هذا الحرام لأن تحليل الحرام مثل تحريم الحلال هو بغي وعدوان علي الله تعالي صاحب الحق الوحيد في التشريع وهذا معني (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم )وفي الاية التالية (116) نهي الله تعالي عن تحريم هذا الحلال خارج المحرمات الاربع واعتبر تحريم الحلال افتراء علي الله تعالي بالكذب، ثم توعد لمن يحرم الحلال بالعذاب الأليم في الآخرة أي اعتبره من المشركين (النحل 117).
وحتي لا نقع في ما وقع فيه اليهود حين حرموا الحلال فكان عاقبتهم بأن جعله محرما فعلا عليهم فان الاية التالية (118)تقول (وعلي الذين هادو حرمنا ما قصصنا عليك من قبل، وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون )أي حرم عليهم الاربعة اشياء فقط واحل الباقي، فقاموا بتحريم بعض ما احل الله فجعله الله تعالي حراما عليهم ..وجعل من ضمن ذلك تحريم السبت وهذا ما ذكره في نفس السورة (124)واكد في نفس السورة ان تحريم الحلال شرك بالله (النحل 35).
2-في سورة البقرة :يأمر الله تعالي جميع الناس بالأكل مما في الارض حلالا طيبا ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان لانه لنا عدو مبين ،اذ يأمرنا بالسوء والفحشاء وان نقول عن الله تعالي اكاذيب لا نعلم عنها شيئا (يا ايها الذين امنوا كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين ،انما يأمركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا علي الله ما لا تعلمون : البقرة 168:169)أي هو تأكيد علي ان الحلال هو القاعدة وان تحريم الحلال هو اتباع لخطوات الشيطان وبعدها يتهم من يحرم الحلال مقلدا للاسلاف يتهمه الله تعالي بالكفر وعدم التعقل (البقرة 170 :171).
ثم يعيد الله تعالي الخطاب للمؤمنين يأمرهم بالأكل من الحلال الطيب (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ان كنتم اياه تعبدون.. البقرة :172 )أي تأكيد اخر للمؤمنين علي الاكل من الحلال وهو الاصل والاساس، ثم في الاية التالية يحصر المحرمات في نفس الاشياء الاربعة (انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما اهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم :البقرة 173)وهي نفس الاشياء المحرمة المذكورة ،ويجعل الاكل منها حلالا للمضطر طالما لا يفتي بأنها حلال ويبغي ويعتدي علي حق الله تعالي في التشريع ،ثم تأتي الآية التالية وما بعدها (البقرة 174،175)تتوعد العلماء الذين يفتون بغير ما انزل الله يحللون الحرام ويحرمون الحلال ويكتمون الحق الالهي .
3-في سورة الأنعام يؤكد رب العزة جل وعلا علي وجود اعداء لكل نبي ينشرون وحي الشياطين بين اتباعهم ويؤكد علي ضرورة الاحتكام الي القرآن لأثبات زيف ذلك الوحي الشيطاني الكاذب ويؤكد علي ان القرآن قد تمت كلماته ولا مبدل لكلمات الله ويحذر النبي من طاعة أكثرية البشر ،بل عليه ان يلتزم بسبيل الله تعالي والله اعلم بالمهتدين (الانعام 117:111) .
وبعدها يأمر المؤمنين بالاكل مما يذكر اسم الله عليه طالما هم يؤمنون بالله (الانعام 118)ويعتبر الحلال هو ما شرع الله تعالي الاكل منه أي ما ذكر اسم الله عليه وهذا معني الاية (118 من الانعام )(فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم بآياته مؤمنين) وعلي المؤمنين ان يشكروا الله علي هذه النعمة .وتقول الاية التالية (وما لكم الا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه ..)فهنا تعجب ممن لا يأكل مما احل الله له ،وتأكيدا علي معني قرآني يجهله اغلب المسلمين وهو ان معني (ما ذكر اسم الله عليه )هو (ما احله الله )أي ان كل ما احل الله اكله هو ما ذكر عليه اسمه و يتجلى هذا المعني حين تقرأ الايات (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم بآياته مؤمنين )أي كلوا مما احل الله لكم ان كنتم بآياته مؤمنين ثم ينهي عن تحريم الحلال ويشير الي انه قد فصل المحرم لغير المضطر ،ويؤكد علي ان الذين يحرمون الحلال انما يضلون الناس بغير علم ويعتدون علي حق الله تعالي في التشريع ،يقول تعالي ( وما لكم الا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه ،وان كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ان ربك هو اعلم بالمعتدين:الانعام 119).
اذا هنا تأكيد علي ان الاكل مما ذكر اسم الله عليه يعني الاكل مما اباح الله ،وما اباح الله تعالي اكله انما يقع خارج المحرم المحدد تفصيلا لغير المضطر …
ويلحق بحالة الاضطرار ما يصطاده حيوان الصيد من كلب او طائر ،فاذا قتل حيوان الصيد الفريسة فانها لا يسري عليها قوله تعالي عن انواع الموتي ( وما اكل السبع الا ما ذكيتم :المائدة 3) أي ما اكل السبع وكان به رمق فأدركته بالذبح فليس ميتة ،ولكن اذا كان ذلك السبع حيوان صيد وامسك فريسة و اكلها فيمكن ان يؤكل منها اذا ذكر اسم الله عليها، لأنها بذلك تكون حلالا تلحق بالحلال الطبيعي خارج المحرمات والموصوفة بأنها مما ذكر اسم الله عليه.
ونعود الي سورة الانعام وهي تؤكد في الاية (121 ) علي ان من الفسق او الخروج عن الايمان ان نأكل من المحرمات،ومعناها التي لم يذكر اسم الله عليها يقول تعالي (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق )وحتي نتأكد من ان المقصود بما لم يذكر اسم الله عليه هو المحرمات المحددة في الاية الكريمة (145)في نفس السورة والتي تحدد المحرمات وتكررها بقوله تعالي (قل لا اجد في ما اوحي الي محرما علي طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دما مسفوحا او لحم خنزير فانه رجس او فسقا اهل لغير الله به ،فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم )ففي الاية الكريمة وصف المحرمات بأنها فسق وهو نفس الوصف للمحرمات في الاية السابقة
والمستفاد من الآيات الكريمة السابقة هو امر ونهي ،امر بالاكل مما احل الله ،ونهي عن الاكل مما حرم الله ،والتعبير جاء بصيغة مخصوصة( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه )(وما لكم ان لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه )و هنا الامر بالأكل من الحلال والنهي عن تحريمه ثم يقول تعالي(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق وهنا نهي عن اكل المحرم وبقية الاية السابقة تنهي المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان بنفس النسق الذي جاء في سورة البقرة 168)في قوله تعالي( يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين )وهذا ما اشارت إليه ايضا الاية 121 من سورة الانعام ونذكرها كاملة (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق ،وان الشياطين ليوحون الي أوليائهم ليجادلوكم وان أطعتموهم انكم لمشركون )أي اننا اذا دخلنا في جدال مع المشركين الذين يحلون الحلال ويستحلون الحرام فاننا نسير معهم في نفس طريق الشيطان وعلي وقع خطواته .ذلك انه استطاع -الشيطان- خداع( ادم وحواء) وسألهم أسئلة تبدو منطقية وقد حذرنا الله تعالي في نهاية القصة من هذه الفتنة الشيطانية (الاعراف20:27)والشيطان لا يزال يمارس دوره ولم يقدم استقالته وهو يوسوس لأتباعه ،ويجعلهم يجادلون باسلوب منطقي لماذا حرم الله هذا ؟واذا كان قد حرمه للضرر اذا فكل ما هو ضار يكون حراما، وعلي ذلك يتكاثر تحريم الحلال وينسي الجميع ان التحريم هنا حق لله تعالي وحده وعلينا ان نطيع دون ان نسأل عن السبب ،وهذا هو الاختبار الابدي لأبناء آدم وقد سبق ان تعرض الملائكة و ابليس ثم آدم وحواء الي هذا الاختبار، والنتيجة الهامة ان المؤمن يطيع امر الله دون ان يناقشه لأن الله تعالي هو وحده الذي لا يسأل عما يفعل (لا يسأل عما يفعل وهم يفعلون :الانبياء 23 )ولا يليق بالبشر ان يسألوا الله تعالى لماذا احل ولماذا حرم كما لا يليق بهم ان يحلوا ما حرم أو ان يحرموا ما احل .
وبعد ذلك بآيات عديدة تدخل سورة الأنعام في حوار مع مشركي قريش حين كانوا ينذرون النذور لغير الله تعالي وحين كانوا يحرمون بعض الأنعام افتراء علي الله تعالي وذلك في الايات (136:144)ويتكرر في الايات الكريمة وصفين للافتراء (فذرهم وما يفترون )(سيجزيهم بما كانوا يفترون)...(وحرموا ما رزقهم الله افتراء علي الله ..)كما يتكرر في الحوار النهي عن اتباع خطوات الشيطان (كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين :142) والنهي عن الافتراء علي الله (فمن اظلم ممن افترى علي الله كذبا ليضل الناس بغير علم ان الله لا يهدي القوم الظالمين :الأنعام 144) ثم يقول تعالي( قل لا اجد فيما اوحي الي محرما علي طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دما مسفوحا او لحم خنزير فانه رجس او فسقا اهل لغير الله به ،فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم :الانعام 145)في الاية تأكيد بالقصر والحصر علي ان المحرمات في كل ما نتناوله من طعام ليست الا الميتة والدم المسفوح من الحيوان الحي ولحم الخنزير والمقدم نذرا لغير الله تعالي، وهذه المحرمات تكون مباحة عند الاضطرار طالما لا يبغي المضطر ولا يعتدي احد علي حق الله تعالي في التشريع ويقول باستحلالها ثم تأتي الاية التالية لتتحدث عن اليهود الذين حرموا أشياء فعاقبهم الله بأن جعلها عليهم حراما وجزاهم ببغيهم علي الله صاحب الحق وحده في التحليل والتحريم ،يقول تعالي (وعلي الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ،ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما الا ما حملت ظهورهما ،او الحوايا او ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم :الانعام 146)وتأتي الاية التالية بالرحمة للمؤمنين والتهديد للمجرمين لتؤكد ان موضوع التحليل والتحريم متصل تماما بالعقيدة لأن من يحرم حلالا او يستحل حراما فانما يقع في الشرك بالله تعالي (الانعام 147)وتأتي الاية (148من سورة الانعام ) لتجعل تحريم الحلال قرينا للشرك وان من يفعل ذلك سيندم يوم القيامة (سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا اباؤنا ولا حرمنا من شئ )ثم يتحداهم رب العزة (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن وان انتم الا تخرصون) ويستمر التحدي (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون ان الله حرم هذا ..:الأنعام 150)ثم تأتي الآيات( 151،152،153) لتحدد المحرمات خارج الطعام والشراب وهن عشر محرمات او الوصايا العشر وكل ذلك منعا لأي اعتداء علي حق الله في التشريع وفي التحريم .
ويتضح مما ذكرته سورة البقرة (آية 170،171)وما ذكرته سورة الانعام 121-136-155)ان مشركي العرب واليهود اعتادوا تقليد الأسلاف في تحريم الحلال ونزل القرآن يرد عليهم ويتحداهم ويحذرهم ويصفهم بالشرك وقد استمر هذا الجدال مما استلزم تكرار التأكيد الالهي علي تفصيلات المحرمات والتحذير من اضافة أي شئ حلال الي قائمة المحرمات تحديدا وتفصيلا ..وجاء ذلك في سورة المائدة وهى من اواخر ما نزل من القرآن الكريم .
(1)في سورة المائدة :
لأن جدالهم استمر حول تحريم الحلال في الأنعام فان اول آية من سورة المائدة جاءت تؤكد ما سبق تأكيده وتخاطب المؤمنين فتقول (يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود احلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلي عليكم غير محلي الصيد وانتم حرم ان الله يحكم ما يريد :المائدة 1 )اذن فالاصل هو الحلال والاستثناء هو ما يتلي من المحرمات المذكورة بالنص والتفصيل وتكرر ذلك ايضا في قوله تعالي (واحلت لكم الانعام الا ما يتلي عليكم، فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور :الحج 30)وكل ذلك التأكيد المتكرر انما جاء للنهي عن تحريم الحلال واعتباره قول زور .
ونعود الي سورة المائدة وهي تتحدث عن المحرمات وتضع لها اشارتين :الأولى هو المحرمات التي نزل بها القرآن وهي الاربعة المعروفة (الميتة والدم ولحم الخنزير والقرابين المقدمة للأوثان و الاضرحة )والاشارة الاخري هي عدم قتل الصيد عند الاحرام في الحرم (احلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلي عليكم غير محلي الصيد وانتم حرم)
والانعام هي الحيوانات المستأنسة و الصيد هو الحيوان البري الوحشي، والحيوان مقصود به الحيوان والطيور وكل ذلك حلال ويستثني منه الأربعة المعروفة وهي حرام دائما الا عند الاضطرار بدون بغي او عدوان علي حق الله في التشريع ويضاف الي ذلك عدم قتل الصيد عند الاحرام في الكعبة، وتلك حالة استثنائية اذ انه بعد انتهاء مناسك الحج يجوز الصيد وهذا معني قوله تعالي (و اذ1 حللتم فاصطادوا :المائدة 2)ومن هنا تتوسع سورة المائدة في الايتين (94،95) في تحريم الصيد عند الاحرام بالحج و العمرة عند البيت الحرام وتؤكد (يا ايها الذين امنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم )وتجعل غرامة علي من يفعل ذلك متعمدا اما الاية الثالثة من سورة المائدة فتأتي بتفصيل وشرح للمحرمات في الطعام تقول( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله ) وهذه الأربعة المنصوص عليها من قبل، ولكن منعا للخلط وسوء الفهم فان الاية وهي اخر ما نزل من القرآن تشرح انواع الميتة فتقول ( و المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما اكل السبع الا ما ذكيتم ) فالمنخنقة أي الميتة بالخنق والموقوذة اي الميتة بالضرب ، والمتردية اي التي تقع من مكان مرتفع فتموت والنطيحة أي التي ماتت من نطح حيوان آخر وما اكل السبع أي اذا ماتت بفعل حيوان مفترس وفي كل الاحوال السابقة فانه اذا ادركنا الحيوان قبل الموت وذبحناه اصبح حلالا او بتعبير القرآن (الا ما ذكيتم ) فالذبح للحيوان الذي يوشك علي الموت يجعله حلالا وماعدا ذلك يكون حرام الاكل منه الا عند الاضطرار.
ثم تقول الآية تشرح وتضيف لمعني (ما اهل لغير الله به )(وما ذبح علي النصب) أي ما يتم نذره الي ضريح او قبر مقدس ويذبح عنده يكون محرما الاكل منه وتقول (وان تستقسموا بالازلام )أي محاولة معرفة الغيب الذي لا يعلمه الا الله ويصف الله تعالي كل ذلك بأنه فسق (ذالكم فسق ).
وتختتم الاية بما يشيبر الي انها اخر ما نزل من القرآن (اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ،فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لأثم فان الله غفور رحيم )أي من اضطر في حالة جوع ولا يقصد استحلال الحرام فإن الله تعالي يغفر له ويرحمه .
اذا هو نفس المنهج وهو توضيح المحرمات علي انها استثناء وتوضيح ان الباقي حلال ..وهذا ما جاء في الايات الثلاثة الاولي من سورة المائدة آخر ما نزل من القرآن الكريم .
ولا تكتفي السورة الكريمة بذلك بل تنهي مكررا مجددا عن تحريم الحلال وتعتبره اعتداء علي حق الله تعالي في التشريع والتحريم، وتأمر المؤمنين بالاكل مما رزق الله حلالا طيبا، ويقول تعالي( يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين ،وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي انتم به مؤمنون :المائدة 87،88).
وتأتي الاية (90 ) من سورة المائدة لتحرم الخمر والميسر والاضرحة أو القبور المقدسة والاعتقاد في معرفة الدجالين للغيب (يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر و الانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون )
ثم تؤكد الاية( 93 )علي انه ليس علي المؤمنين أي حرج فيما يتناولونه من أي نوع من الطعام والشراب خارج نطاق تلك المحرمات المذكورة (ليس علي الذين امنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا واحسنوا والله يحب المحسنين)أي طالما اجتنبت الاكل من الميتة والدم ولحم الخنزير والطعام المقدم كقرابين للاوثان و الاولياء المقدسين وطالما اجتنبت شرب الخمر فليس عليك جناح في ان تأكل وان تشرب ما تشاء بشرط ان تحصل عليه بطريق شرعي دون سرقة او نهب وذلك معني اشتراط التقوي والايمان والاحسان (اذا ما اتقوا وامنوا ثم اتقوا واحسنوا ).
ثم تأتي الاية (96 )لتستثني من الميتة المحرمة كل ما يصاد من البحر، ومعلوم ان الاحياء المائية تموت من بمجرد خروجها من البحر تقول الاية (احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرفا )أي ان كل صيد بحري او طعام بحري فهو حلال حيا كان او ميتا، ويحرم صيد البر في حالة الاحرام فقط ..
وهذا هو الشرح التفصيلي الذي جاء في اخر صورة نزلت في القرآن الكريم في الحلال والحرام في الطعام والشراب ومع ذلك فقد تناثر في سور اخري من القرآن تأكيدات اخري تؤكد علي نفس القواعد القرآنية .
5- في سورة الاعراف بعد ان قص الله تعالي قصة ادم وبعد ان حذرنا من مكر الشيطان بنا حتي لا يغوينا كما خدع ابوينا من قبل يقول تعالي (يا بني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين :الاعراف 30) فهنا امر بالتزين الحلال عند كل مسجد او موضع للسجود هو امر لنا بالاكل والشرب دون اسراف .
ثم تأتي الاية التالية تستنكر تحريم الحلال (قل :من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون :الاعراف 32)أي لا يجوز تحريم الزينة التي خلقها الله و اخرجها لعباده من الارض ولا يجوز لأحد تحريم الطيبات من الرزق، أي كل رزق يحصل عليه الانسان بطريق مشروع بدون سرقة او سلب او غصب ،ويؤكد الله تعالي ان هذا الرزق وتلك الزينة حلال للمؤمنين في الدنيا ويشاركهم فيها غيرهم من كل ابناء آدم سواء آمنوا او كفروا، ولكن في يوم القيامة حيث يتمتع المؤمنون بنعيم الجنة فان ذلك التمتع سيكون خالصا للمؤمنين فقط .
وبعد ان استنكر الله تعالي تحريم الحلال من الزينة والرزق جاءت الاية التالية تحصر المحرمات اجمالا في شريعة الله في خمسة اشياء :
1-الفواحش وهي العلاقات غير الشرعية
2- الاثم أي السيئات .
3- البغي أي الاعتداء والظلم .
4- الإشراك بالله .
5- الكذب علي الله بغير علم .
يقول تعالي (قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا علي الله ما لا تعلمون :الاعراف 33)وتحريم ما احل الله يدخل ضمن تلك المحرمات في البغي وفي الاشراك وفي التقول علي الله تعالي بالكذب والافتراء .
(6)في سورة يونس يجعل الله تعالي من الافتراء عليه تعالي تحريم الحلال وتحليل الحرام دون اذن يقول تعالي (قل ارأيتم ما انزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل أالله اذن لكم ؟ ام علي الله تفترون، وما ظم الذين يفترون علي الله الكذب يوم القيامة:يونس 59:60).
أي ان كل رزق انزله الله تعالي هو حلال، والذي خلق هذا الرزق هو الذي يملك وحده التشريع بشأنه وهذا الرزق يشمل كل شئ نأكله أو نشربه او نتزين به، أي كل ما نستهلكه، وليس من حق احد ان يجعل هذا حلالا وهذا حراما لأن الله تعالي لم يأذن لأحد في ان يشرع في الدين ،ومن هنا جاء هذا السؤال الاستنكاري من رب العزة عن هذا الرزق الذي انزله الله كيف تجعلون منه حراما وحلالا دون اذن الله؟اليس هذا افتراء علي الله ؟ وكذبا عليه ؟ثم ما هي عقوبة اولئك المفترين علي الله تعالي يوم القيامة ؟.
ونلاحظ الصلة الوثيقة بين آيتي سورة يونس(60:59)وبين آيتي سورة الاعراف( 33:32)فكلتاهما تتحدثان عن نعم الله التي انزلها لعباده وتستنكر تحريمها وتجعل ذلك التحريم كذبا علي الله تعالي .
(7)في سورة التحريم :وحين امتنع النبي عن تناول بعض الطعام وحرمه علي نفسه نزل الوحي إليه يؤنبه قائلا (يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك :التحريم )أي ان التحريم حق لله تعالي وحده ويقوم الرسول بتبليغه عن الله ولا يملك النبي الا ان يتبع الوحي ويطيعه.
(8) وفي سورة طه يذكر رب العزة كيف حذر بني اسرائيل في قضية التحليل والتحريم فقال (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوي :طه 81).
والطغيان المقصود هنا هو الاعتداء علي حق الله في التشريع بتحريم الحلال وتحليل الحرام .
(9)وفي سورة النساء يذكر الله تعالي ما حدث من بني اسرائيل حين ظلموا الله تعالي بتحريم الحلال فعاقبهم الله بان جعله فعلا حراما عليهم يقول تعالي (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم :النساء 160).
(10)وجاء عيسي عليه السلام بتخفيف ليعيد الامور الي نصابها يقول لبني اسرائيل (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم :آل عمران 50)
ثالثا: وماذا عن الدخان:
وبذلك نكون قد استقصينا ايات القرآن الكريم في ما يخص الحلال والحرام في الطعام والشراب في ايجاز واتضح انها جميعا تؤكد علي :
1- الحلال هو القاعدة والحرام هو الاستثناء 2-لا يجوز تحريم الحلال 3- تحريم الحلال يعتبر شركا بالله واعتداء علي حقه تعالي في التشريع .
فماذا عن حكم تناول الدخان وما يتبع ذلك من انتاجه وتصنيعه و نقله واستعماله والدعاية له؟
ونضع الحقائق الاتية ..
الدخان يدخل ضمن انواع الطعام أو الشراب حيث يتناوله المدخن عن طريق الفم اذا يدخل تحت بند احكام الطعام المشار اليها في الايات الكريمة السابقة .
الدخان يدخل ضمن الرزق الذي انزله الله وما يعنيه هذا الرزق من عمل اقتصادي يتناول الانتاج والتصنيع والدعاية وبهذا تقوم عليه ارزاق الملايين وفي هذا نحتكم الي الله تعالي( قل ارأيتم ما انزل لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله اذن لكم :يونس 59)وكل الايات التي استشهدنا بها فيما سبق تحدثت عن الرزق في سياق القواعد المشار اليها وتحريم الارتزاق بالدخان يعتبر كذبا علي الله طبقا للايتين (59،60)من سورة يونس.
والمحصلة النهائية ان الدخان ليس ضمن المحرمات المحددة المذكورة بالنص في القرآن الكريم اذا فهو حلال .بالتالي يحرم علي أي انسان ان يفتي بتحريمه، وان فعل فقد افتري علي الله كذبا واعتدي علي حقه تعالي في التشريع وينطبق كل ذلك التحذير والتهديد والعقاب المشار إليه في الايات الكريمة السابقة خصوصا وانهم في تبريراتهم في تحريم الدخان كانوا يتبعون خطوات الشيطان .
رابعا الرد علي تحريم التدخين :
(1)مقدمة :
طريقة الشيطان كما اسلفنا هي تحريم الحلال المباح بطرق عقلية تحاول تعليل سبب التحريم ثم ينبني علي هذا السبب تحريم أشياء اخري ، واذا كان سبب التحريم عندهم هو الضرر فان كل شئ مضر يكون حراما .
وهذا ما اتفق عليه القائلون بتحريم الدخان لأنه ضرر بالصحة مع ان شركات التدخين تضع ما يؤكد علي ان التدخين ضار جدا بالصحة,، الا ان هذا لا يكفي لدي القائمين بالتحريم اذ يقحمون الدين فيحولون الدخان الي قضية دينية، ويبحثون عن ادلة موضوعة لتحريمه ، مع اعترافهم ان قضية الدخان لم يعرفها عصر النبي ولم يرد تحريمه بالنص في القرآن، ولم يعرفه عصر أئمة المذاهب الفقهية، وانما هو قضية جديدة في تاريخ المسلمين الحديث .
2- وهنا نضع الملاحظات الاتية :
(1)التحريم الالهي للمحرمات المنصوص عليها ليس لوجود سبب مادي للتحريم، اللهم الا وصفها بأنها رجس او فسق، وتلك اوصاف تدل علي صلة التحريم بالعقيدة، وسبق ان أوضحنا تأكيد القرآن علي ان من يحرم الحلال انما يقع في الشرك بالله تعالي يقول( الا ان يكون ميتة او دما مسفوحا او لحم خنزير فانه رجس او فسقا اهل لغير الله به: الانعام :145)فهذا وصف للمحرمات الاربعة بأنها رجس أو فسق. و من الاوصاف المتكررة للمشركين انهم رجس (الانعام 125،الاعراف 71،التوبة 95،125 يونس 100،الحج 30)كما ان وصف المشركين بالفسق تكرر عشرات المرات .
اذا فالوصف للمحرمات بالرجس والفسق هو وصف معنوي يساوي بالضبط وصف الحلال بالطيب وبأنه ذكر اسم الله عليه ووصف الحرام بالخبيث (اولم يذكر اسم الله عليه )ويساوي وصف المشركين بالرجس والفسق وبارتباط تحريم ما احل الله بقضية البغي علي الله والاعتداء علي حقه في التشريع فان تحريم الحلال في حد ذاته رجس وفسق.
ولكن القضية المهمة هنا ان الله تعالي لم يحرم تلك المحرمات الأربع بسبب ضررها المادي ولكن لأنه تعالي هو الذي شاء هذا وهو تعالي لا يسأل عما يفعل وعلينا الطاعة والامتثال دون سؤال كما فعلت الملائكة حين اطاعت الامر بالسجود لآدم دون تساؤل .
(2)ومن هنا كرر الله تعالي التحذير من اتباع الشيطان في موضوع تحريم الطعام بالذات ،وكرر ما سبق من تلك القواعد التشريعية في تحديد المحرمات وعدم تحريم الحلال لأنه شرك بالله تعالي وافتراء عليه .وهذا التكرار يدل علي إعجاز ضمني لأن الله تعالي وهو الذي يعلم وحده الغيب – يعلم انه بعد نزول القرآن سيأتي من يحرم الحلال ويتقول علي الله تعالي بغير علم ويعتدي علي حق الله تعالي في التشريع ،ولذلك تكررت الايات ..ولهذا ايضا حرصنا علي تتبعها في القرآن .ويكفي المؤمن ان يتعظ بآية واحدة يغير بها مجري حياته ،ولكن الله تعالي كرر نفس المفهوم عدة مرات حتي لا يكون الناس حجة امام الله تعالي يوم القيامة ..
3-وعاقب الله تعالي اليهود حين حرموا الحلال فحرمه الله عليهم ..وهذا بالضبط حين ابتدعوا الرهبانية فألزمهم الله بها (الحديد 27)وكل هذا لأن الله تعالي وحده هو صاحب الحق في التشريع في الحلال والحرام وفي الفرائض الواجبة ..
والمهم هنا ان الله تعالي حرم علي اليهود كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم الا الدهون التي في الامعاء او الظهور او الدهون المختلطة بعظم .لأنهم حرموا ذلك فحرمه الله عليهم ..وجاء التعليل الالهي (ذلك جزيناهم ببغيهم و إنا لصادقون :الانعام 146).
لم يقل الله تعالي حرمناها عليهم لأن فيها كوليسترول ،او لأن الدهون ضارة جدا بالصحة .ولكن السبب معنوي بحت .وهو انهم اعتدوا علي حق الله في التشريع فحرمها عليهم ..
4-والعجيب ان كلمة الضرر ومشتقاتها في القرآن الكريم تكررت (75)مرة لم يأت فيها مطلقا موضع واحد بالتحريم بسبب الضرر .وقد جاء التركيز فيها علي ان الله تعالي هو وحده الذي يملك النفع والضرر ،وان النبي وغيره لا يملك لنفسه او لغيره نفعا ولا ضرا الا باذن الله ،وان الالهة المزعومه لا تملك نفعا ولا ضرا لأحد ،وان الانسان اذا مسه الضر لجأ الي الله تعالي وحده ..بل ان كلمة اضطر وهي من مشتقات الضرر هي التي جاءت في موضوع الطعام ،والعجيب انها جاءت في التأكيد علي الاباحة ،وليس علي المنع ،جاءت في اباحة الاكل من المحرمات الاربع طالما لا يعتدى علي حق الله في التشريع ويستحل هذه المحرمات ..أي يأكل مضطرا وهو يعلم انه حرام وليس حلالا …وسبقت الاشارة الي ذلك، ولو كان السبب الصحي والمادي سببا في التحريم لتغير النسق القرآني ولكن بعضنا يعتقد انه يعلم اكثر من الله في الدين وفي الدنيا وفي المرض ،وفي النفع والضرر.
5-ومع الاحترام لرأي الاطباء في اضرار التدخين ،الا اننا نتساءل في موضوع يخص التشريع ،وهل التدخين وحده هو المضر بالصحة ؟اليس الملح والسكر والدهون مضرة بالصحة ؟ ان الله تعالي احل طعام البحر وصيد البحر .ومنها السام والضار الاكل منه ولكنه حلال بالنص القاطع وبالطبع نبتعد عنه حفظا للصحة ولكن لا نحرمه . ثم أليست للأدوية نفسها اثار جانبية ؟ ان بعض الاطباء يقولون اننا اذا القينا كل الادوية في البحر لتحسنت صحة الانسان وتدهورت صحة الاسماك..فهل يكون التداوي بالدواء حراما بسبب أثاره الجانبية ؟
هنا تتجلي الحكمة الالهية في قصر التحريم علي ما حرم الله وحده دون زيادة او نقصان ،وبدون اذن لأي زيادة تحت أي مسوغ .فمسألة الضرر هذه نسبية ،وكل انسان طبقا لتشريع القرآن له حق الارادة في ان يؤمن او ان يكفر ،ان يعصي وان يطيع (الكهف 29،الاسراء 107،فصلت 40)وبالتالي فمن حقه ان يدخن او لا يدخن ،وهو شأن دنيوي ،ولكن علي المجتمع ان يوضح له مخاطر التدخين ،.ويجعل اماكن خاصة بغير المدخنين حتي لا يلحق بهم الضرر ،…وهذا ما يحدث ولكن المهم ان يبقي دين الله تعالي بعيدا عن الاستغلال في هذه القضية ،حتي لا نقع في جريمة تحريم الحلال ..
6-وقد قلنا ان المباح الحلال هو الاصل وان المحرمات هى الاستثناء ،وانه يحرم تحريم الحلال ..ونضيف ايضا ان المباح الحلال يحتاج الي تنظيم ،وهذا التنظيم يأتي ايضا في القرآن ..وعلي سبيل المثال فإن رغيف الخبز حلال في حد ذاته ،ولكن حين اسرقه يصبح تناوله حراما .والحرمة ليست في ذات الرغيف الذي هو حلال مباح ،ولكن في طريقة حصولي عليه ..ومن اجل ذلك يرتبط في تشريع القرآن مجئ كلمتين (حلالا طيبا )لتشمل انه حلال في ذاته وطيب في طريقة الحصول عليه واستهلاكه ..ومن هنا نفهم قوله تعالي (يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا :البقرة 168)فليس ذلك معناه ان اهجم علي ما ليس حقا لي واخذه بالعنف والسرقة لأنه حلال ،بل لابد من الحصول عليه بطريقة شرعية أي يكون حلالا طيبا .وبالتالي فان للحلال شرطين :ان يكون خارج المحرمات الاربع ،وان احصل عليه واستهلكه بطريق شرعي.وبالتالي ايضا فان للحرام شرطين ،ان يكون ضمن ضمن المحرمات الاربع ، او ان تكون حلالا ولكن تم الحصول عليها واستهلاكها بطريق غير شرعي .
وبالتطبيق علي رغيف الخبز أو السيجارة فان تلك المواد حلال في حد ذاتها ويكون تناولها حلالا اذا حصلنا عليها بطريق شرعي ،ويكون حراما اذا أخذناها غصبا او سرقة او رشوة، وهذا هو التنظيم الشرعي لتناول الحلال واستعماله .
7-ومن التنظيم الشرعي الاعتدال في الاستعمال وفي طريقة الاستهلاك، فالإسراف في الطعام حرام، أي ان الطعام حلال في حد ذاته ولكن الإسراف في تناول الطعام منهي عنه (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين :الاعراف 31) والإسراف يشمل التبذير في المال الذي احصل عليه بطريق حلال ولكن اقوم بتبذيره،وينهي الله تعالي عن هذا التبذير حتي في اعطاء الصدقة بصورة مبالغ فيها (وآت ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ،ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين :الاسراء 27)ويأمر الله تعالي بالتوسط في الانفاق في المال الحلال (ولا تجعل يدك مغلولة الي عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا :الاسراء 29)(والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما :الفرقان 67) .
وعلي ذلك فالرغيف حلال والسيجارة حلال …. في حد ذاتهما .
ولكن اذا اسرفت في الطعام و التدخين فان ذلك التصرف يكون حراما والحرمة هنا في طريقة الاستعمال ،وليست علي السيجارة ذاتها .
(ج)وبعد هذه الملاحظات العامة نقوم بالرد علي من قال بتحريم الدخان :
1-قالوا انه يدخل ضمن الاسراف والتبذير وسبق توضيح هذه النقطة .
2-وقالوا انه بسبب الضرر وقد سبق الرد علي ذلك ،الا انهم استدلوا بآيتين من القرآن، قوله تعالي (ولا تلقوا بأيديكم الي التهلكة )وهذا استشهاد لا محل له ،لأن الله تعالي يتحدث في موضوع آخر يتحدث عن الصدقة و الاحسان باعتبار ان ذلك صمام امن للمجتمع والا تحول المجتمع الي اقلية ضئيلة مترفة واغلبية ساحقة جائعة محرومة ،فينتج عن ذلك انفجار المجتمع من الداخل واهلاك الجميع ،وذلك معني قوله تعالي( وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الي التهلكة واحسنوا ان الله يحب المحسنين :البقرة 195)ولا شأن للتدخين بهذه الاية علي الاطلاق. انهم قاموا بفصل جزء من الاية عن سياقها للاستدلال بها علي تحريم شئ احله الله ..وهذا هو التحريف في كتاب الله اذ انهم بعد ان عجزوا عن تحريف النص القرآني قاموا بالتلاعب في المعني ليأتوا بحكم جديد يخالف قواعد التشريع في القرآن.
ومثل ذلك حين يستشهدون بقوله تعالي (ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك علي الله يسيرا :النساء 29،30)وهذا الاستشهاد افتراء علي الله لأن الاية تتحدث عن انتحار بقتل الانسان لنفسه عدوانا وظلما ،أي خارج نطاق الاضطرار .والقتل الذي يتحدث عنه رب العزة فعل مادي سريع ينتج عنه الموت قتلا. فهل هناك سيجارة يتناولها من يريد الانتحار؟!! واذا حدث واخترعنا هذه السيجارة فان النهي في الاية لا ينصب علي تحريم السيجارة ولكن ينصب علي جريمة الانتحار ذاتها. فانني اذا قتلت نفسي بسكين او شنقت نفسي بحبل فان السكين ليست حراما والحبل ليس حراما ..انها مجرد ادوات ووسائل محايدة فالنهي عن الفعل وليس الاداة .
3-وقالوا ان الدخان خبيث اذن هو حرام، واستشهدوا بحديث (من اكل ثوم او بصل فليعتزلنا ..)فهل معني ذلك الحديث –ان كان صحيحا -ان الثوم حرام وان البصل حرام ؟بالطبع لا، ان المعني فيه تأديب للانسان فيكون غير خبيث الرائحة بان يراعي النظافة الشخصية، يأكل ما يشاء من الثوم والبصل ولكن لا يؤذي الناس برائحته وعليه فان الحديث نفسه لو قال :من شرب دخانا فليعتزلنا بسبب الرائحة الخبيثة فليس يعني ذلك حرمة الدخان، ولكن علي المدخن ان لا يؤذي الناس برائحته ،وهذا ما تقوم به بعض الحكومات بتخصيص أماكن للمدخنين بدون تحريم التدخين .
4-واستدلوا علي ان الدخان خبيث بآية (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث )واصدروا قرارا بأن الدخان من الخبائث الحرام وعلي ذلك كان الامر يستلزم من النبي ان يحدد طبقا لرأيهم ان الدخان ضمن هذه الخبائث وهذا ما لم يحدث ولكن طبقا للقرآن فان ما يحرمه الله تعالي هو الخبائث ،وهذه الخبائث مذكورة بالتحديد ضمن ايات عديدة وصفت المحرمات بانها رجس وفسق وبالتالي فهي الخبائث ،وما عداها فهي الحلال الطيب ،ومن هنا كان وصف الحلال بأنه طيب …أي ان الامر لا يستلزم اجتهادا عقليا ،فالحرام المذكور هو الخبائث ،وما عداه فهو الحلال الطيب ،وطالما ان الدخان ليس من تلك المحرمات فهو حلال طيب وليس من الخبائث ، المهم ان نراعي الشرع في الحصول عليه وان نراعي الشرع في استهلاكه باعتدال .
5-وقالوا انه كالمسكر أي كالخمر ..وهذا خطأ فليست السجائر خمرا، وان كانت خمرا ما احتاج الامر الي كل هذا الخلاف والجدل حول تحريمها او تحليلها .
6-وقالوا انه مفتر ورووا حديثا يقول بالنهي عن كل مسكر ومفتر ..أي يلحق المفتر بالمسكر وينسبون ذلك الحديث الي النبي ،وينسون ان النبي عليه السلام ليس له حق الكلام في التحريم خارج القرآن ،وانه عندما حرم شيئا عاتبه الله تعالي بقوله(يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك :التحريم1)وطالما قد حدد الله تعالي المحرمات ولام النبي علي انه حاول ان يضيف اليها شيئا فان من يحب النبي ويؤمن به لابد ان ينفي عن النبي انه حرم شيئا مما اباح الله تعالي خارج المحرمات المنصوص عليها. ثم ان ذلك الحديث المروي قد قيل بعد موت النبي باكثر من قرنين من الزمان اذ رواه احمد المتوفي في منتصف القرن الثالث الهجري، و الأحاديث كما يقول علماء الاصول تفيد الظن ولا تفيد اليقين اذا كانت تؤيدها اية قرآنية، فما بالنا اذا كانت مثل هذا الحديث تعارض ايات القرآن القاطعة المانعة الجامعة؟؟ .
7- وقالوا انه من المشتبهات المأمور بالابتعاد عنها ..وليس هناك في قواعد التشريع في الاسلام مشتبهات، وانما تلك المشتبهات هى اختراع فقهي، يدل علي ابتعاد هؤلاء الفقهاء عن فهم تشريع الاسلام، فالحرام واضح محدد حتي ان القرآن نفسه يشرح انواع الميتة ويكرر بالقرآن المحرمات الاربع في اربعة مواضع (البقرة 172،المائدة 3،الانعام 145،النحل 115)ويشير اليها والي تفصيلها في اكثر من موقع (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه :الانعام 117،المائدة 1،الحج 30)وفيما عدا تلك المحرمات فالباقي كله حلال ،و محظور بامر الله تعالي تحريمه ….اذا اين هي المشتبهات في هذه الحدود الواضحة المانعة ؟.
8-وقالوا ان الدخان يصد عن الصلاة والصيام والعبادة اذن هو حرام …وقالوا نفس الحجة عن الغناء، ويمكن ان يقال ذلك ايضا عن العمل والاكل واي جهد بشري، فمن الممكن ان ينشغل الانسان عن العبادة بكل شئ وعليه فان كل شئ يمكن ان يكون حراما ،الطعام حرام والراديو والتلفزيون حرام والزوجة و الاولاد والجلوس مع الاصدقاء والعمل الشاق والسفر كل ذلك حرام، لأنه يمكن ان يصد عن سبيل الله ، وليس التدخين فقط ..وهذا حمق في التفكير، فليس التحريم في الوسيلة (من سيجارة او جهاز تليفزيون او راديو ..)ولكن التحريم في التكاسل عن العبادة دون عذر شرعي .
9-قالوا ان القياس الصحيح ان التدخين حرام مثل المسكرات ، وذلك القياس أسرع طريق لأتباع خطوات الشيطان .أي ان نضيف الي المحرمات ما نراه نحن مشابها لها من وجهة نظرنا ..وبذلك نضيف كثيرا من انواع الحلال أي قائمة المحرمات ونقع في جريمة الاعتداء علي حق الله في التشريع وتحريم الحلال ……
ونفس الكلام ينطبق علي باقي الحجج ،من ان درء المفاسد مقدم علي جلب المنافع ،وانه اذا اجتمع الحرام والحلال في شئ تغلب الحرام ،ومبدأ سد الذرائع أي تحريم الحلال مقدما حتي لا نقع في الحرام ..كل ذلك اعتداء علي حق الله تعالي في التشريع ..
واخيرا:
نحن هنا امام امرين اما ان نتمسك بما قاله الله تعالي ونكون من المؤمنين ،واما ان نعرض عما قاله الله ونتمسك بما قاله فلان وعلان ونعتدي علي حق الله في التشريع ..
وتكفي اية واحدة لكي نتمسك بها ونضحي في سبيلها بكل ما قاله البشر خلافا لهذه الاية ..ولكن ان يتكرر التشريع في عشرات الايات تكرر نفس الحقائق ..ثم تكون الايات الكريمة اكثر من ناحية الكم من فتاوي بعض الفقهاء المتأخرين زمنا ..فهل نترك عشرات الايات القرآنية بسبب اجتهادات خاطئة وقليلة لبعض الفقهاء المعاصرين والمتأخرين؟
ثم اليس من الاكرم لدين الله تعالي ان يظل بعيدا عن تلك القضايا الاقتصادية والسياسية حتي لا يستغله البعض اثما وعدوانا في تحريم الحلال خلافا للتشريعات الالهية ؟..
ان الامر متروك لضمير كل مسلم ..
خامسا :الرد علي من قال بأن الدخان مكروه:
قال بعضهم ان الدخان مكروه ،أي اقرب للحرام ان لم يكن حراما ،والسبب عندهم هو التأذي برائحته الكريهة مثل موضوع البصل والثوم، وبعضهم كرر بعض الأسباب التي استخدمها من حرم التدخين ..ولكن تحرج من الحكم بالتحريم واكتفي بالحكم بانه مكروه علي سبيل الاحتياط علي عادة الفقهاء في الحكم علي ما يكرهونه بأنه مكروه .
وبالرجوع الي الأحكام التشريعية في القرآن الكريم نجد فجوة بينها وبين درجات الاحكام التشريعية لدي الفقهاء، فاحكام التشريع في القرآن تدور حول ثلاثة فقط ،الفرض الواجب (افعل)والمحرم المنهي عنه (لا تفعل )*وبينهما المباح الحلال الذي لا حرج في فعله او في تركه. ومنهج القرآن هو تفصيل الاحكام الواجبة المفروضة والاحكام المحرمة المنهي عنها مع الاكتفاء بالاشارة للمباح الحلال في عدم تحريمه ..وعلي سبيل المثال جاءت تفصيلات الصيام في رمضان وهي فرض واجب ،وجاءت تفصيلات المحرمات في الطعام ..ولكن الاكل المباح لم يأت الحديث عنه الا مجرد امر (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا )(كلوا مما في الارض حلالا طيبا ..)مع التركيز علي عدم تحريم ذلك الحلال ، اما كيف وماذا ومتي نأكل، فهذا كله في اطار المباح والعادات الاجتماعية .وذلك لأن منهج التشريع في القرآن يقوم علي اساس التيسير والتسهيل وتضييق المحظورات والمحرمات وجاء الفقهاء فاتبعوا منهجا اقرب للحظر والتشديد ..فاضافوا اشياء جديدة للواجب المفروض ،واطلقوا عليها مصطلح مستحب وجعلوها اقرب للواجب المفروض وان لم تكن فرضا واجبا ..كما اضافوا للمحرمات اشياء جديدة اطلقوا عليها مصطلح مكروه ،وجعلوها اقرب للحرام وان لم تكن حراما ..وبذلك ضيقوا المباح حيث كل ما جعلوه من المستحب ومن المكروه انما هو في الاصل مباح ..وترتب علي ما سبق ان أصبحت الأحكام خمسة وليست ثلاثة ،وهي عندهم :الواجب الفرض، ثم المستحب ، ثم المباح الحلال ثم المكروه ،ثم الحرام..
ومن هنا بدأ الاعتداء علي حق الله في التشريع بتغيير احكامه ،وتحويل انواع من المباح الي مستحب يجدر وينبغي فعله والي مكروه لا يجدر ولا ينبغي فعله ..ولو التزم الفقهاء بالحدود الواضحة لدرجات التشريع في القرآن ما وقعوا في اهذا الخطأ ،وسبق ان اوضحنا هذه القواعد التشريعية ووضح فيها ان تحريم الحلال المباح اعتداء علي حق الله تعالي في التشريع.
علي اية حال فاننا اذا رجعنا الي القرآن الكريم لنتعرف علي مصطلح المكروه وجدنا له معني يخالف المعني الذي تعارف عليه الفقهاء حين زعموا انه درجة اقل من الحرام، فالمكروه في تشريعات القرآن هو افظع المحرمات وقد حذر الله تعالي من عدة فظائع محرمة كالقتل والزنا والكفر واكل مال اليتيم وعقوق الوالدين والغش في الميزان والغرور ،ثم وصف تلك الرذائل جميعا بأنها مكروهة فقال (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها :الاسراء 38)فاذا كان ذلك مكروها عن الله وفي تشريعه فلابد ان يكون مكروها في شريعته التي نتمسك بها ولا نحيد عنها ..
ونفس الحال مع المحبوب او المستحب يراه الفقهاء اقل من الواجب، ولكنه عند الله هو الواجب المفروض بل اهم الفروض كالايمان الحق ،وبذلك يكون –عند الله –نقيضا للمكروه الذي يكرهه الله ،يقول تعالي (ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان :الحجرات 107)اذن فالايمان مستحب أي افضل انواع الواجب المفروض .وليس درجة اقل من ذلك، أما الكفر والفسوق والعصيان فهو مكروه ،وهو شر انواع المحرمات ..
وعليه فان الاحكام عند الله ثلاثة فقط ، الواجب المفروض وهو ما يحبه الله أي المستحب ،والحرام المنهي عنه وهو الذي يكرهه الله وهو ايضا المكروه ،ثم ما بين هذا وذلك وهو المباح الذي ليس حراما وليس واجبا وفروضا ،اما الفقهاء فقد خالفوا ذلك المنهج وابتدعوا احكاما جديدة يحولون بها الحلال المباح الي حرام او مكروه ..ومن هذا المنطلق حرموا الحلال او جعلوه مكروها ..مثلما فعلوا في الدخان .
سادسا : الأرضية التاريخية
لرؤية الفقهاء نحو التدخين :
ارتبطت نظرة الفقهاء نحو التدخين بالرؤية السياسية والاجتماعية لعصرهم، ولأن التدخين وارد اصلا من الغرب الذي استجلبه من أمريكا ،فقد مل الدخان آثار تلك النظرة ، فكان بدعة مستحدثة جديدة اتية من عدو غير مرغوب فيه ، ومن هنا اتفق حاكم ايران الصفوي وحاكم العثمانيين علي تحريمه ،مع مابين الصفويين والعثمانيين من عداء ،وكتب الفقهاء بتحريم الدخان منذ سنة 1049 هـ[1].
بل ان الشيخ جمال الدين الافغاني اكبر رواد النهضة الدينية الحديثة في القرن التاسع عشر الميلادي اشتهر بالتدخين، واشتهر ما قيل عنه انه كان يوزع الثورة بيمينه ويتناول النشوق بشماله ..ومع ذلك فانه هو الذي حرض مفتي ايران علي اصدار فتوى بتحريم الدخان كي يحارب الاحتكارات الانجليزية .[2].
وحين ظهرت الدعوة الوهابية واقامت الدولة السعودية الاولي اصبح من ادبياتها الاساسية تحريم الدخان كراهية في الاوروبيين وسقطت الدولة السعودية مرتين، ثم اعاد عبد العزيز آل سعود تأسيسيها فيما بين (1902-1932م)ولكن الذي لم يتغير في الدولة السعودية الوهابية هو تحريم الدخان ،ومن الطريف ان السعوديين حين حاصروا الكويت وحاكم الكويت (الشيخ سالم الصباح) كان من شروطهم رجوع اهل الكويت الي الدين الاسلامي الصحيح وترك شرب الدخان ).[3]ومع ذلك فان عبد العزيز حين استولي علي جدة وامر بمصادرة مخازن الدخان فيها طبقا لتعليمات الوهابيين فان التجار اشتكوا من خسارتهم الفادحة اذا احرق او اغرق الدخان .فاعطاهم مدة لتصريف ما لديهم ..[4].
وقبل ان يمتد النفوذ السعودي الي الازهر وشيوخه نجد ان بعض الشيوخ يفتي بأن (الدخان ليس حراما لذاته ولا يسع عاقل ان يقول انه حرام الا اذا كان جاهلا او مكابرا معاندا ،فيجب ان نقول ان حكمه الاباحة ..)وهذا ما قاله الشيخ الدجوي سنة 1935م وكرر نفس المعني بتفصيلات اكثر [5].ثم تغير اكثر شيوخ الازهر فيما بعد بسبب النفوذ السعودي الوهابي.
ويقول هبة الدين الحسيني الشهرستاني عن موقف الفقهاء من التدخين وحكمه عندهم (انه ليس حراما علي اطلاقه وليس حلالا علي اطلاقه ،والمجتهدون ليسوا سواء في حكم التدخين ،وليس هناك اجماع علي اباحة التدخين ،والرأي الراجح ان من يتعود التدخين لا يجب عليه ترك العادة ان خاف الضرر .)[6]أي انها قضية خلافية بين الفقهاء، كل منهم يقول رأيه حسب رؤيته ، مثل د.سيد طنطاوي شيخ الازهر الحالي الذي قال حين كان مفتيا ان التدخين حرام علي الفقير وقال(لا اريد ان اصدر تحريما كاملا ضد التبغ ،ولكن ليس من الشرع ان ينفق العاجز عن اعالة اسرته امواله علي الدخان، وقال انه يسمح بالتدخين للغني ،او اذا كان لا يستطيع العمل بدون التدخين )[7].
وبعضهم استنكر التدخين في المساجد واثناء الاستماع للقرآن[8]. وهي موافقة ضمنية علي انه حلال في غير ذلك او انه حلال في حد ذاته ،ولكن يضعون تنظيما للاستعمال كما تفعل الدول في منع التدخين في اماكن معينة .
*ولكن تبقي الحقيقة القرآنية تعلو فوق الجميع ،وهي ان المحرمات اربع بالتحديد فيما يخص الطعام بالاضافة للخمر ،وماعدا ذلك فهو حلال مباح .لا فارق بين رغيف الخبز والسيجارة .
ومن افتي بتحريم ذلك الحلال فقد افتري علي الله تعالي كذبا ،ويحتاج هذا الحلال الي الحصول عليه بطريق شرعي، واستهلاكه بدون اسراف .
ولعل هذه القضية تكون مناسبة لأظهار حقيقة التشريع الاسلامي الذي غفل عنه الفقهاء بسبب اهواء الدنيا…
![]()
المصادر :
1-هبة الدين الحسيني الشهرستاني :اضرار التدخين 3:4،ط.بغداد 1924.
2-جلال كشك:السعوديون والحل الاسلامي ص584 ط.القاهرة 1984 الطبعة الرابعة .
3-ناصر السعيد :تاريخ آل سعود:618،619.منشورات اتحاد شعب الجزيرة العربية .
4-جلال كشك:المرجع السابق :624:623.
5-الشيخ الدجوي :هدى الاسلام ص487 .سنة 1935م،نور الاسلام عدد 28م/شعبان 1349هـ.هدى الاسلام 6/1/1935.
6-الشهرستاني :المرجع السابق 7.
7-saudi gazette 10\2\1995.
8-هدي الاسلام 12/11/1937.