free web hosting | website hosting | Web Hosting | Free Website Submission | shopping cart | Coaching Institute | php hosting
affordable web hosting Pets web page hosting web hosting website hosting web hosting service web hosting web host

الشورى الاسلامية ( اصولها تطبيقاتها )

دراسة قرآنية

د. احمد صبحي منصور

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

منذ قيام الدولة العباسية عرف المسلمون الحكم الثيوقراطي الاستبدادي الذي يتمسح بالدين ، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت الدول الإسلامية بالحكم المستبد ، وتم تصنيف التراث الإسلامي في أحضان دول مستبدة ، أرسيت مبادئ الفقه الدستورى في مناخ كان لا يرى تعارضا بين الاسلام والحكم الاستبدادي .

والغريب ان الاسلام في حقيقته- مع الشورى ، كأعظم صورة ديمقراطية ، ولم تكن تلك الشورى مجرد سطور في القرآن الكريم بل كانت حياة علمية عاشها النبي مع اصحابه في مكة قبل ان يقيم له دولة ، ثم طبقها في دولته في المدينة .. وظل المسلمون بعده في عهد الخلفاء ( الراشدين) يمارسونها بصورة او بأخرى الى ان دخلوا في الفتنة الكبرى وانتهت الخلافة (الراشدة) وجاءت الخلافة (الأخرى) القائمة على القهر والاستبداد فدخلت الشورى الاسلامية في متحف التاريخ ، بل نقول ان التراث الذي كتبه المسلمون في عصور الاستبداد استكثروا عليها دخول متحف التاريخ ، فتجاهلوا رواية ما يتم عن تلك الحياة الديمقراطية في عصر النبي والخلفاء ، ولم يصل الينا الا بعض روايات هزيلة صاحبت بعض المعارك الحربية للرسول والمسلمين وفيها كان النبي يستشير ويخالفه اصحابه في الرأي وينفذ الرسول رأيهم.

ولكن يبقى القرآن الكريم هو الفيصل في الموضوع بما أورده من نظام الشورى في عهد النبي .

ويبقى أن الشورى في الدولة الإسلامية الأولى هي التى ارتقت بالعرب الى مستوى الدولة المتحضرة التى خرجت للعالم غازية متطورة ترسم خريطة جديدة في التاريخ العالمى .

والتيار الديني الذي يسعى لتكوين دولة إسلامية لا يرى في الشورى الإسلامية إلا استبداد الحاكم المتأله مع اعوانه من اهل الحل والعقد ، وفقا لمبدأ الحاكمية التى تعني ان الامام الحاكم هو الراعي والشعب هو الرعية ، وهو يحكمهم بسلطة إلهية وتفويض إلهي ، وليس مسئولا اما الشعب ، بل أمام الله .. وتلك هي مورثات الخلافة العباسية ، التي أنتجت التراث وتلك المقولات ، وكلها تخالف القرآن العظيم ، وتخالف ما كان عليه خاتم النبيين عليه السلام .

ومن هنا تكون الحاجة ماسة لهذه الدراسة .. ليس فقط لأنها تلقى الضوء على الشورى الإسلامية الحقيقية التي أهملتها أبحاث التراث .. ولكن أيضا لأنها ترد على دعاة الاستبداد الديني السياسي ممن يؤيدون الاستبداد القائم آو يحلمون بإقالة حكم ديني استبدادي تحت شعارات دينية يخدعون بها جماهير المسلمين .

الفصل الأول :

أصول الشورى في الإسلام

أولا ماهية الشورى في المنظور القرآني :

1- الشورى عندنا تقابل الديمقراطية في التراث الغربي .. وقد يجادلنا البعض في هذه المقولة ، وذلك ليس مستغربا ، لأن الديمقراطية نفسها في التطبيق الغربي تختلف من دولي لأخرى ، فشتان بين ديمقراطية إنجلترا وديمقراطية فرنسا ، وبينها وبين أمريكا قمة الديمقراطية في العالم ، آو هكذا يقولون .

تتعدد الديمقراطيات الغربية ، ولكنها تشترك في أسس عامة في الأغلب- تقوم على مسئولية السلطة التنفيذية أمام ممثلي الشعب .. بما يعني خضوع الحاكم للشعب أو ممثليه .. واستمداده السلطة منه أو منهم .. أو هكذا يقولون .

ولسنا في مجال المقارنة بين الشورى الإسلامية في المنظور القرآني والديمقراطية الغربية النيابية ، ولكن نتوقف مع القدر المشترك بينهما وهو المعنى الحقيقي للشورى والديمقراطية ، وهو فن ممارسة السلطة والقوة ، لأن الجهة التي يخضع لها الحاكم هي المصدر الحقيقي للسلطة والمنبع الذي يستمد منه الحاكم سلطانه .

2- إن الحكم هو القوة والسلطة .. أو ممارسة القوة والسلطة .. والعلاقة بين الحاكم والشعب تحدد من هو صاحب القوة والسلطة ومدي وجود الشورى (أو الديمقراطية ) في تلك العلاقة .

هناك الحاكم المستبد الذي يتأثر بالقوة والسلطة ، وليس لشعبه عنده وزن ، بل يعتبر نفسه وصيا على ذلك الشعب الذي لم يبلغ بعد درجة المسئولية والأهلية ، وهذا الحاكم المستبد يعتبر نفسه مصدر السلطات كلها ، فهو نفسه مجلس الشورى والمشير وهو المستشار وهو الحاكم بأمره في كل شئ ، ومن هنا تكون المشورة في نطاق سلطاته التي يمنحها لنفسه ، غاية ما هنالك انه يستشير نفسه أو يعين مجموعة من الخدم لتفكر له فيما يرضيه .. وعلى الشعب الطاعة لأنه مجرد من القوة ، فقد احتكر الحاكم القوة لنفسه .

ولكن قد يحس الشعب ببعض الوعي ويستحوذ على بعض التأثير والقليل من القوة مما يجعل الحاكم المستبد يضطر لتقديم بعض التنازلات تتناسب مع بعض القوة التي ينتزعها الشعب لنفسه ، ولذلك تتغير مجالس الشورى ، من مجرد العبيد والخصيان الذين يتفانون في التفكير لأرضاء الملك المستبد ألي مجالس شورى لها بعض الحرية في الحركة ألي دور أكبر مرهون بقدرة الشعب على انتزاع حقوقه ، وهل يرضى الشعب بوجود مجالس صورية تعطى شرعية زائفة لدكتاتورية الحاكم وتغطي عورة الاستبداد ، أم تتطور هذه المجالس لتحاسب الحاكم وتقلص سلطاته .. وفي كل الأحوال فالشورى هنا هي فن ممارسة القوة .. وتلك الممارسة يتجاذبها الشعب والحاكم كل منهما بحسب ما لديه من قوة وصمود .

وقد تكون القوة كل القوة للشعب ، فيفرض سلطانه على الحكومة ويعين الحاكم ويسائله ويعزله ويعين بدله ويراقبه ويحاكمه ، والحاكم هنا يعتبر نفسه موظفا في خدمة الشعب ، أجير لديه ، والشعب هنا يمارس بمشورته فن القوة .

وهكذا فلدينا ثلاثة أنواع من الشورى :

  1. الشورى الحقيقية للشعب القوى الذي يملك إرادته بنفسه والذي يقوم بتعيين الحاكم ويعتبره أجيرا لديه ويحاسبه ويقرأ ويعزله ويعاقبه إذا اخطأ .
  2. والشورى الصورية لحاكم يدعى التمسك بالديمقراطية وهو يضطر لذلك لمواجهة الانتقادات واحتمالات التمرد من بعض طوائف شعبه ، ويدور صراع ( القوة) بين الحاكم والشعب وبقدر ما للشعب من قوة وصمود ينتزع حقوقه في المشاركة والشورى.
  3. و أخيرا لدينا الدكتاتور الفج المطلق الذي يحكم بالقوة ويستشير نفسه أو خدمة وحاشيته والشعب مجرد قطيع وقع في أسره وتحت هيمنته وسيطرته ، حيث احتكر ذلك المستبد لنفسه القوة ومارس من خلالها الشورى .. لنفسه .

إذن فالشورى هي لعبة القوة أولا و اخيرا .. القوة بكل أشكالها ، قوة السلاح وقوة المال وقوة التأثير في الجماهير .. وقوة الجماهير نفسها أو ضعفها وقوة الحاكم أو قوة شعبه .

وحيث توجد القوة تكون القدرة على المشورة ، لأن المشورة هي فن ممارسة القوة . وهذه هي ماهية الشورى في المنظور القرآني .

ومن هنا كانت تنشئة المؤمنين على أتساس القوة ، وكانت المشورة نابعة من عقيدة الإسلام القائلة انه " لا اله إلا الله " .

3- وقبل أن ندخل في أسلوب القرآن في تربية وتنشئة الشورى في تكوين العقل المسلم . نتوقف مع بعض الآيات القرآنية التي تؤكد علاقة الشورى أو ( الاستبداد) بالقوة مما يعنى أن الشورى هي فن ممارسة القوة .

ففرعون موسى وصل به الاستبداد ألي درجة ادعاء الألوهية والربوبية الكبرى "فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى " (النازعات 23،24 ) " وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من اله غيري " القصص 38 .

وبذلك الاستبداد الذي وصل به ادعاء الألوهية الذي وصل به ادعاء الألوهية كان يتعامل مع الحاشية حوله ، أو الملأ الذي يفكر فيما يرضى الفرعون ، وكانت آراء الملأ أو الحاشية تأتى طبقا لما يريده الفرعون حتى أن القرآن الكريم ينسب الأقوال الواحدة مرة لفرعون ومرة أخرى للملأ ليدل على أن الملأ أو الحاشية جزء لا يتجزأ من الفرعون ، وان فرعون حين يستشيرهم لا يسمع صدى صوته أو صدى صوتهم ،( راجع سورة الأعراف 109،112 والشعراء 34،37) والأعراف 127، غافر 25 ) .

وفي النهاية فان فرعون يقول لهم " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " فاغر 29 ، أي انه9 لا يتصرف ألا برأيه ، ورأيه هو الهدي وسبيل الرشاد ، وذلك هو نهاية المطاف في الشورى عنده . والأرضية التي كان يستمد منها فرعون سلطته الاستبدادية أو يمارس من فوقها فن الشورى هي انفراده بكل عناصر القوة .

والتاريخ الفرعوني يؤكد أن عصر الزعامة ومنهم فرعون موسى شهد انفراد الفرعون بالملك والحكم وقيادة الجيوش وتحول مصر ألي وحدة واحدة في قبضة الفرعون على حساب حكام المقاطعات الذين اصبحوا خدما للفرعون .

والقرآن يؤكد على أن هذه المعاني قبل أن يكتشفها علم المصريات بعشرة قرون . فالقرآن يؤكد أن فرعون موسى عقد مؤتمرا حاشدا لقومه وأعلن فيهم انه وحده يملك مصر وخيرها " ونادى فرعون في قومه قال يا قومي أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون " الزخرف 51 .

والقرآن يؤكد النزعة الحربية لفرعون وقيادته للجيوش التي كانت أقوى جيوش ا"لأرض ، يقول تعالى عنه ، واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق " القصص 28 . وكانت صفة الجندية من صفات فرعون موسى في القرآن " هل آتاك حديث الجنود ؟ فرعون وثمود " البروج 17،18 . "فاتبعهم فرعون وجنوده " يونس 90 . "فأتبعهم فرعون بجنوده " طه 78 . "فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم " القصص 40 / الذارات 40 . أي ارتبط فرعون بالجنود وكانوا جنوده أي يملكهم ويقودهم ، وبذلك اجتمع لفرعون ملك مصر وقوتها الحربية .

ولذلك كانت سلطته طاغية ، وكانت رهبته ما حقه ألي درجة أن موسى خاف مواجهته وطلب من الله تعالى أن يبعث معه أخاه هارون ، ولكن الخوف تملكها معا من مواجهة فرعون فأمرهما الله تعالى أن يذهب إليه ، " فقولا قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ، قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ، قال لا تخافا إنني معكما اسمع وارى " طه 43،46 .

4- ونصل ألي درجة اقل استبدادا ، حكاها القرآن في قصة ملكة سبأ . وكان استبداد هذه الملكة مستمدا من ملكيتها لكل شئ ؟ يقول القرآن عنها " أنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ " . لذلك كان الملأ أو الحاشية حولها يدينون لها بالولاء ، وحين استشارت الملأ أكدوا لها أنها صاحبة الأمر " قالت يا آيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ، قالوا نحن أولو قوة و أولو بأس شديد ، والأمرإليك فانظري ماذا تأمرين " . النمل 23،32،33.

كانت تطلب رأي الملأ من قادة الجيش أولى البأس الشديد لتتوثق من تأييدهم لها ، وجاءها التأكيد بالولاء المطلق لكل ما تراه .. أي كانت المشورة محصورة في الملكة والملأ حولها أما الشعب الذي يتربعون على صدره فلم يكن له من الأمر شئ .. لأن الشعب كان مملوكا للملكة وقد تسلمت الملكة رسالة النبي سليمان نيابة عن ذلك الشعب ، مثلما كان موسى مرسلا ألي فرعون وليس للشعب المصري ، لأن الشعوب في تلك العصور كانت مجرد رعية من الخراف والمواشي يملكها الحكام المستبد . ونزل القرآن لكي يحول تلك الرعية ألي بشر مسئولين أحرار . وندخل بذلك على أسلوب القرآن في تربية الفرد المسلم والأمة المسلمة على أساس الشورى . ليدخل به في عصر جديد .

ثانيا الشورى في تربية المسلم :

  1. البداية في عقيدة الإسلام : إلا اله إلا الله ، والتي تعنى أن البشر كلهم عباد الله ، ولا يجوز لإنسان مهما كان أن يسمو فوق مستوى البشر ويصير آلها مع الله . لأن لا اله مع الله ولا اله إلا الله .
  2. وصلة الشورى هنا أو نظرية الشورى القائمة على إنها فن ممارسة القوة أن الله تعالى وحده هو الذي بيده ملكوت كل شئ وانه القاهر فوق عباده وان القوة جميعا ، لذلك فهو وحده الذي لا يسأل عما يفعل وما عداه يمكن مساءلتهم ، فالقاهر فوق عبادة لا يمكن أن يسائله عباده ، ولا مكن أن ينتظر منه عباده أن يكونوا شركاء له في ملكه وسلطانه أو أن يستشيرهم في أي أمر من أموره ، لذلك فأنه تعالى هو الفعال لما يريد وهو يأمر عباده وعليهم الطاعة والخضوع وذلك الذي يحكم مستبدا وينتظر من الناس أن يطيعوه ويخضعوا له إنما ينتحل لنفسه صفة من صفات الله تعالى .

  3. والله تعالى خلق البشر أحرارا في أن يطيعوا أمره أو أن يعصوا شرعه ، وفي مقابل حرية الإرادة التي يتمتع بها الإنسان فانه سيأتي أمام الله تعالى يوم الدين آو يوم الحساب ليحاسبه ربه على طاعته آو عصيانه .
  4. وهكذا فأن الخالق القاهر فوق عباده الذي بيده ملكوت كل شئ هو الذي شاء آن يكون العباد أحرار في الطاعة والمعصية ولم يلزمهم بقهره وجبروته في الدنيا على الطاعة مكتفيا بمسئوليتهم يوم القيامة على اختيارهم في حياتهم الدنيا .

    وإذا كان الخالق جل وعلا لم يتدخل في حرية البشر في الطاعة والمعصية فانه من الحمق آن يخضع البشر باختيارهم لواحد منهم ادعى لنفسه ما ليس له من صفات الله ، واستولى لنفسه ما ليس له من حقوق الآخرين في الثروة والسلطة واحتكرها لنفسه دونهم وأرغمهم على طاعته من دون الله ، بل وانتزع لنفسه ما رغب عنه رب العزة وهو التحكم في حرية الناس ومصادرتها .

  5. ثم آن الله تعالى حين خلق الأرض وقدّر فيها الأقوات فانه جع الأقوات آو الإمكانات المادية حقا مشاعا للجميع لجميع الخلق الساعين للرزق السائلين عنه ، يقول تعالى عن الأرض " وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين" فصلت 10 .
  6. آي كل الإمكانات في الأرض حق لكل البشر وليست حكرا على واحد بعينه آو جيل محدد وإنما هي للبشر جميعا سواء لكل السائلين الباحثين عنها ، ولكن البحث عن تلك الموارد والسعي في ذلك الرزق يتفاوت من شخص لآخر حسب الإمكانيات الجسدية والعقلية وحسب طبيعة المكان وما فيه من ثروات ، والقران يعترف بذلك التفاوت بين الناس في الرزق " والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق " النحل 71 .

    ولكن القرآن في نفس الوقت يضع التشريعات الاقتصادية التي تمنع تركيز الثروة في يد فئة أو شخص ، أو بتعبير القرآن " حتى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" الحشر 7 . فحيث تتركز الثروة والقوة في يد فئة بعينها على حساب أخرى ينشا الترف والاستبداد ، ويأتي الحاكم المستبد والملأ الذين حوله . وبالتالي فان وجود فئة مترفة حاكمة تفرز الاستبداد يعتبر خروجا على شرع الله تعالى .

  7. والمؤمن يقول في صلاته يخاطب ربه ج وعلا " إياك نبعد انه لا يعبد مع الله أحد ، والعبادة تعنى أيضا الخضوع والذل والدعاء .
  8. صحيح أن البشر يتصارعون حول اكبر كمية من الرزق ويتقاتلون في سبيل اكبر نصيب من الممتلكات والمتع ، ولكن ينسى الإنسان انه مهما جمع من أموال وممتلكات فأنه سيتركها للموت أو تتركه بالخسارة ، وان أمواله التي يتركها لذريته من بعده ستسهم في فسادهم وتنازعهم ، كما أم إمكاناته الجسدية لا تساعده على اغتراف ما يشاء من متع ، وحتى لو قضى حياته يغترف من المتع فأنه يفقد الإحساس بها ويستهلك جسده وحيويته سريعا ولا يبقى له مع الأرض إلا الندم والحسرة في نهاية العمر .

    وفي النهاية فأن الرزق الذي ضمنه الله له هو مقدار ما يأكل وما يشرب وما يغطى جسده وما يستهلكه ، وفي ذلك لا يستطيع إنسان أن يأخذ فوق طاقته .

    وعليه فالمؤمن يعتقد أن لكل إنسان بطاقة رزق إلهية أو ( كارت ) مسجل فيه مقدار ما يستهلكه من حطام الدنيا وأموالها ، ومنذ ولادته وهو ينفق من هذه البطاقة ألي آخر ما بتنفسه من هواء في الدنيا ، وحينما يتوفى آخر مقدار مقدر له من رزقه ومن عمره وعمله .. يموت ويتوفى ، وذلك معنى الوفاة .

    وهكذا فالمؤمن يدرك انه إذا صار من الملأ أو حاشية السلطان أو إذا صار من أعداء السلطان فان ذلك لن يغير شيئا في كمية الرزق المسجلة في بطاقته ، وان السلطان لا يملك أن يزيد في رزقه شيئا ، ولو أعطاه السلطان الملايين مما ليس مكتوبا في بطاقة رزقه وما بيس مقدرا له استهلاكه فان تلك الملايين لن تصل الى جوفه ، قد يصيبه موت او افلاس او مرض او نكبة او مصادرة لأمواله ولن يأخذ شيئا من هذه الملايين الا الوزر ، او الذنب الذي دفعه في مقابل تأييد الظالم في استبداده وظلمه .

    ولسان حال المؤمن يقول اذا كان الرزق من الله وحده ، وقد حدده ربى سلفا قبل ان يخلقني فلماذا أؤيد حاكما مستبدا ظالما ان استفيد منه في شئ في رزقي ، ولن اجنى منه الا اللعنة؟.

  9. وقد يهلل الناس للمستبد خوفا من الاضطهاد والابتلاء ، ولكن المؤمن يعلم ان الابتلاء يأتى من الله وحده ، وقد يكون الابتلاء للناس بالخير او بالشر " ونبلوكم بالشر والخير فتنة " الانبياء 35. وكشف ذلك الابتلاء يأتى ايضا من الله وحده " وان يمسك الله بضر فلا كاشف له الا هو " الانعام 6.
  10. ثم ان الابتلاء والمصائب والمسرات شانها شأن الرزق كلها مكتوبة ومسجلة قبل ان نولد ولا مناص من مواجهتها لنها قدر مكتوب . يقول تعالى " قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا " التوبة 52 . اى انه من بين كل المصائب التى نتوقعها ويهددنا بها الآخرون فلن يصيبنا منها الا ما هو مكتوب علينا ، ولن نستطيع الفرار من ذلك المكتوب علينا .

    ولذلك فالمؤمن يتخذ موقفا محايدا وسيطا بين المصائب والمسرات التى تواجهه لأنها قدر مكتوب لا فرار منه ، ولذلك لا ينهار عند المصائب ولا يختال سرورا عند النعمة ، يقول تعالى " ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما اتاكم ."الحديد 22،23.

    وطالما وقر في يقين المؤمن هذا فلن يخشى تهديد المستبد وحاشيته لأن المستبد يتعرض للمصائب والمسرات يتعرض للمصائب والمسرات مثل كل انسان ، بل هو اكثر فزعا منها ، بل ان ضحايا بطشه تتحول الى كموابيس مفزعة وتحيل ليله ونهاره الى جحيم ، ويجعله اسيرا سجن الحراسة والخوف ، فكيف يخشى الناس من هو اكثر منهم خوفا وجبنا .؟؟

  11. الحرص على الحياة وغريزة حب البقاء ما يدفع الناس على الصبر على الطغيان ، اذ يخشون الموت والقتل على يد الطاغية وزبانيته ، هذا مع انهم في النهاية لابد ان يموتوا ، واذا كانوا يخشون من الحكم عليهم بالاعدام ، فكل البشر محكوم عليهم بالموت والاعدام .

وكل الشعوب التى استكانت للطغيان ماتوا وانتهوا الى نفس المصير الذي كانوا من أجله يخشون الطغيان ويرضون به املا في حياة لم تدم لهم ولن تدوم لغيرهم لأنها حياة مؤقتة نهايتها الموت .

والقرآن يقول لكل من يريد لكل من يريد الفرار من الموت ان الموت لابد ان يقابله في طريق فراره " قل ان الموت الذي تفرون منه فأنه ملاقيكم " الجمعة 8 . ويقول " اينما يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " النساء 78.

وقد يقول قائل قائل ان من يصبر على الطغيان يخشى القتل لا الموت ، ولكن ليس هناك فارق بين القتل والموت ، فالأجل محدد بالزمان والمكان ولن يستطيع انسان ان يفلت من موعد موته ومن المكان المحدد له ان يموت فيه او يقتل فيه .

وفي غزوة أحد قال بعضهم .. لو ظللنا في المدينة ما حدثت الهزيمة وما فقدنا القتلى والضحايا ، ورد عليهم القرآن " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم" آل عمران 154 . اى ان الذي قدر الله عليه القتل سيذهب بنفسه الى المكان الذي حدده الله لمصرعه وفي نفس الوقت المحدد ، ولا يمكن ان يتخلف عن ذلك .

و لا يستطيع المستبد ان يقتل احدا قبل موعد موته ، ولا تستطيع قوة في العالم ان تؤجل موعد موت احد او ان تزيد دقيقة في عمر أحد ، لأن أجل الموت اذا ح-ل لا يمكن تأجيله او الفرار منه ، فذلك حكم الله " ولن يؤخر الله نفسا اذا جاء اجلها " المنافقون 11. " ان أجل الله اذا جاء لا يؤخر ، لو كنتم تعلمون" نوح 4 .

ولسان حال المؤمن يقول اذا كان الله وحده هو النافع الضار الذي يبتلي بالخير والشر والذي بيده الموت والحياة والرزق والاعطاء والحرمان . فكيف اخشى غيره ؟

واذا كان الطاغية لا يختلف عنى في احتياجه لله تعالى وفي ان الله تعالى قادر عليه بقهره ويعطيه ويحرمه ، فكيف اخشى ذلك الطاغية ؟ وكيف اعصى الله تعالى في طاعتى وخضوعى لذلك الطاغية الذي يسلبنى حقي في شرع الله ؟ ؟.

ولذلك فان المؤمن عقيدة الاسلاك لا يمكن ان يكون سلبيا او خاضعا للاستبداد او مشاركا للمستبد في ظلمه واستبداده ، وطالما تسود عقيدة الاسلام الحقيقية فلا مجال لاستبداد او طغيان وحيث تربى المؤمن على تلك العقيدة ستجده ايجابيا في مواجهة الطغيان .

ثالثا : الشورى وايجابية السلوك عند المسلم :

  1. الطغيان السياسي يستند دائما الى طغيان دينى او مؤسسة تبارك ظلمه وتعطيه مشروعية دينية زائفة ، ويجنى رجال الدين المكسب تقديسا لذواتهم احياء وامواتا . و الشعب المقهور يدفن احزانه واحباطاته لدى العتبات المقدسة للأضرحة ويتوسل بالأولياء الموتى يرجوهم العون والمدد وتضيع اعمار الأجيال في انتظار حلم لا يتحقق ، والطغيان يزداد ويزداد معه نفوذ الهيئة الدينية وسلطانها وثرواتها ، ويزداد معها بؤس الشعب وهوانه .
  2. وهذا السكوت والخنوع والرضى بالمقسوم لا يمكن ان يوجد في مجتمع يقدس الله وحده ويخشاه وحده ويطلب منه المدد وحده ولا يستعين الا به ، فأياه تعالى يعبد ، واياه تعالى يستعين .. في ذلك المجتمع الحر لا مجال لتقديس البشر سواء كانوا حكاما في الدنيا ( اى السلاطين) او يعتبرهم ملوكا في الأخرة ( اى الأولياء والقديسين والأئمة )، وانما التقديس فيه لله وحده .

    وهذا الشعب الذي لا يخضع الا لله وحده لا يسمح بوجود شخص يدعى لنفسه ماليس له من حقوق الله او حقوق البشر .. وذلك الشعب يعيش حياته آمنا اذ ان مصيره في يده وليس متوقفا على نزوة فرد مستبد يستطيع ان يدمر الحاضر والمستقبل في لحظة ، وكم يحفل تاريخا بأمثلة دامية لما احدثه حكم الفرد المستبد بثروة أمته البشرية والمادية ، ولو استطاع الشعب ان ينتزع حقوقه من ذلك الطاغية لتجنب الدمار والخزى والعار.

    وما حدث في تاريخنا المعاصر حدث قبل ذلك مع فرعون موسى النموذج الكلاسيكي لكل حاكم مستبد ، والذي ذكره القرآن امام لكل حاكم مستبد ظالم ، ومعروف ان نتيجة استبداد فرعون وظلمه لم يدفعها فرعون وحده ، بل دفعه معه قومه وآله وجنده . ودفعتها كلها بعد غرقه وجنوده في البحر . وتتكرر قصة فرعون وملائه مع كل طاغية يدمر قومه لأنه لم يجد اامه من يقف في وجهه ويمنعه من العبث بكيان الشعب ومقدراته .

  3. والشعب المؤمن بالله تعالى حق الايمان يعلم ان الله تعالى أوكل المبادرة بالتغيير الى الانسان ، وجعل الارادة الالهية في احداث ذلك التغيير تالية او نتيجة للتغيير الذي يحدثه الانسان ، وهنا يكون التقدير الكامل للحرية الانسانية ، وتكون ايضا المسئولية الخطيرة الملقاة على عاتق الانسان.
  4. يقول الله تعالى يحذر من تكرار قصة فرعون وقومه "كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات ربهم فأخذهم الله بذنوبهم ، ان الله قوي شديد العقاب، ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وان الله سميع عليم " ( الأنفال 52،53) .

    فالأية الاولى تتحدث عن مصير آل فرعون ، والآية التالية تتحدث عن اهمية العامل الانساني في التغيير ، وان الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

    ويقول تعالى مؤكد على نفس القانون الالهى "ان الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "الرعد 11 .

    ولو قام الشعب بتغيير ما في الانفس من خضوع واستكانة وخوف وسلبية وتطاحن على الصغائر وأنانية وبحث عن المكاسب الشخصية دون نظر لمصلحة المجموع لو تغيرت الأنفس من كل ذلك ، ولو تطهرت من كل ذلك لامتلك الشعب من اسباب القوة المعنوية التى يتحول بها الطاغية المستأسد الى قط أليف .

    والتراث الشعبى المصري له تاريخ طويل في الصبر على الاستبداد والخنوع له ، ومن هذه التجربة الطويلة يقول المثل الشعبى يفسر الطريقة المثلى لصناعة الفراعنة " قالوا لفرعون مين فرعنك ؟ قال ملقيتش حد يقف في طريقي.."

    وقد لا يوجد حاكم مستبد بالفطرة ، ولكن من المؤكد ان شعبا خاضعا مستكينا يخلق عشرات من الفراعنة ، وكلما هلك فرعون انتصب بعده فرعون ، ولا يمكن ان يتغير الحال الا اذا بدّل ذلك الشعب وغير ما بنفسه اولا ، وحينئذ تاتى ارادة الله بتنفيذ ذلك التغيير ومباركته .

  5. وذلك التغيير المطلوب لا يأتي الا عن طريق نهضة ثقافية فكرية او دعوة ترتفع بوعي الشعب توضح له حقوقه وترد على غسيل المخ الذي يقوم به الملأ والحاشية من خدم الحاكم المستبد . وترد على التأويلات الدينية للكهنوت الدينى الذي يخدم الاستبداد السياسي او بمعنى آخر دعوة دينية سياسية ثقافية تهدف الى تغيير ما بانفس الناس من سلبية وخضوع وانانية .
  6. وتلك الدعوة لن يسكت عنها المستبد وأعوانه والكهنوت الذي يخدمه ، واصحاب تلك الدعوة مرشحون لاتهامات سياسية ( الخيانة والعمالة ) واتهامات دينية ( الكفر والألحاد) وكلها تؤدي الى طريق واحد وهو القتل . ولأنها دعوة حق لا تمتلك الا الحجة والبرهان امام القوة والسلطان فالمنتظر ان تصادرها قوة السلطان المستبد بالقوة والقهر . ولكن اخمادها بالقوة وسفك الدماء لا يعنى اجتثاث جذورها لأن تجربة البشر التاريخية تثبت ان الاضطهاد هو اكبر عوامل انتشار الافكار واستمرارها ، وهكذا فكلما اسرف المستبد في مطاردة تلك الافكار القويمة وحربها واغتيال اصحابها ماديا ومعنويا .. كلما انتشرت تلك الافكار وتنبه الشعب واستمع لها ، خصوصا وان الشعب الساكن الساكت يعرف التعاطف مع كل ما يكرهه الحاكم المستبد الظالم ، ويتعاظم تعاطفه مع اولئك الدعاة الابرياء المسالمين الذين يضطهدهم المستبد بالحديد والنار لمجرد كلمات يقولونها وصفحات يسطرونها .

    وباستمرار الاضطهاد بالحديد والنار تنتشر الدعوة السلكية أكثر وأكثر .. ويزداد انصارها .. وتتحول من الضعف الى القوة ، ومن الصبر على الأذى والأضطهاد الى المقاومة ورد الاعتداء .

    ويصبح التغيير امرا حتميا .. ليس تغيير الحاكم المستبد وحده .. وانما تغيير النظام المستبد برمته واستبدال نظام آخر يعبر عن الشعب وبخدم الشعب اى نظام شورى بالمفهوم الذي عرفه المسلمون في عصر النبي عليه السلام .

    فالنبي ظهر في مكة حيث لم تكن فيها دولة بالمعنى المألوف ، ولكن نوع من الحكومة القبلية تقوم على البيت الحرام وتتكسب من ايرادات الحج اليه ومن الاصنام المقامة حوله ، وتكونت تلك الحكومة من اشراف قريش ، ولم يكن للضعفاء دور الا مجرد الخدمة بجانب الرقيق والعبيد ، وجاءت دعوة الاسلام فاعتبرتها قريش تهديدا لوضعها الاقتصادي والاجتماعي في مكة وفي الجزيرة العربية .. وقابلت الدعوة الجديدة بالاضطهاد ، وأدي الاضطهاد والأذى الى نشر الدعوة وتحولها الى هجرة ودولة ، ثم اصبحت الدولة الجديدة برغم استمرار الحصار حولها موطنا لكل الاحرار ، وانتصرت في النهاية .

    والقرآن الكريم صاحبت آياته الكريمة خطوات النبي في مكة وفي المدينة .. وعلى اساسه تربى المسلمون وعرفوا الشورى ضمن قيم أخرى عظيمة ، وتعلموا من القرآن السلوك الايجابي في مقاومة الظلم والاستبداد .. كما تعلموا منه عدم الاعتماد على الغير وان يكون الجهاد بهدف تقرير حرية العقيدة في الايمان وفي الكفر ، وتلك قصة اخرى تتداخل احيانا مع موضوعنا عن الشورى .

  7. والفلاسفة العمليون والخياليون يقولون ان وظيفة الدولة هي اقامة العدل ، والقرآن يؤكد هذه الحقيقة ، بل يجعل الهدف من ارسال الانبياء والرسل وانزال الكتب السماوية هو ان يقوم الناس بالقسط والعدل ، يقول تعالى " لقد ارسلنا رسلنا بالبينات ، وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " .
  8. وقيام الناس بالقسط معناه ان لا يكون هناك حكم مستبد ولا طائفة او طبقة تحتكر لنفسها الروة والسلطة .و قيام الناس بالقسط و العدل معناه سريان قاعدة العدل في التعامل مع الله تعالى فلا مجال لاتخاذ اولياء وآلهة مع الله من البشر والكهنوت السياسي والكهنوت الديني .

    وتسرى قاعدة العدل في التعامل السياسي والاجتماعى والاقتصادي ، وذلك في التعامل البشري يستلزم نظاما للتشاور والديمقراطية يحكم فيه الشعب نفسه بنفسه بحيث تسير الأمور على قاعدة الشفافية والصراحة والمساواة واعطاء كل ذي حق حقه .

    واذا تحقق هذا فان المجتمع الذي يريده القرآن قد تحقق .. وتلتقى بذلك احلام الفلاسفة والمصلحين مع الهدف من اقامة الشرع والدين . فكيف اذا لم يتحقق ذلك الهدف .؟

    كيف اذا احتكرت طائفة الثروة والقوة والسيطرة واستبدت بالأمر وأكلت على الناس حقوقهم في الثروة وفي المشاركة السياسية ؟ وكيف اذا سيطرت تلك الفئة على مقاليد السلطة واصبح زحزحتها عن السلطة لأقامة العدل وتستلزم اللجوء للقوة والحديد والنار .. هل يكون مشروعا ان يلجأ المستضعفون للحديد والنار لتحقيق ميزان العدل ؟ القرآن الكريم يقول نعم ؟؟‍‍!!

    نرجع الى الاية السابقة "لقد ارسلنا رسلنا بالبينات ،وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ، وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب ، ان الله قوي عزيز " الحديد 25 .

    فكما ارسل الله تعالى الرسل وكما انزل الكتاب ليكون ميزانا للقسط والعدل فكذلك انزل الحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس ، وبالحديد يستطيع من يريد العدل المفقود ان ينصر الله تعالى ورسله ويقيم شرعه .

    وهنا تصل ارادة التغيير الى ذروتها ، بأن يتحول تغيير ما في النفس الى تغيير الواقع واقامة العدل بدلا من الظلم ، وتأسيس حكم الشعب على اشلاء استبداد الفرد . وبعد ان كان المستبد يحاور ويشاور نفسه اصبح الشعب يستشير نفسه ويملك مصيره بيده ولا يخضع الا للخالق وحده جل وعلا ، هذا ما ينبغى ان يكون .

  9. ولكن الأغلب ان الثائرين على الحاكم المستبد يجيدون فن اللعب على آلام الشعب وحين يصلون به للسلطة يعيدون سيرة الاستبداد والظلم ، وينتظر الشعب ثائرين آخرين يعيطيهم ثقته ليتخلص بهم من المستبدين الجدد . وتظل مسيرة الظلم مستمرة طالما ان الشعب سائر في غفلته وسلبيته مكتفيا بالتفرج على الصراع القائم في الحكم والطامع في الحكم .

وطالما ان الوعى الشعبي لم يرتفع بالناس الى درجة الاحساس بالمسئولية الجماعية وضرورة التصدي لها بوضع نظام للشوري قائم على العدل وخضوع السلطة التنفيذية للشعب وتداول السلطة في اطار خدمة الشعب .

وقد شهدنا في تاريخنا المعاصر قيام ثورة عسكرية ترفع شعارات اجتماعية وسيلة لتحظى باجتماع الشعب حولها ، وتحولت الثورة الى دولة مستبدة تحطمت على قلعتها السميكة كثير من الحلام الاجتماعية والسياسية التى طالما نادت بها .. وجاء ثوار جدد يرغعون شعارات دينية سياسية جديدة ، والخطورة في اولئك الثوار انهم لا يخفون رغبتهم في العودة لتراث العصور الوسطى حيث سادت مفاهيم الحاكمية والراعي المسئول عن رعيته امام الله وحده والذي لا يسال عما يفعل ، والذي يملك الأرض ومن عليها ، واقام الجناح المدنى لاولئك الثوار دولة موازية للدولة القائمة وسيطر على الاعلام والتعليم ، واتيح له بذلك ان يصيغ المجتمع والشباب على مفاهيم العصر العباسي التى تخالف القرآن وما كان عليه النبي عليه السلام .

وبذلك تم قلب الحقائق ، فأصبح الاسلام القائم على السلام عنوانا للأرهاب وسفك الدماء ، وتحولت سماحة الاسلام الى تعصب ، وابدلوا الشورى الاسلامية الى الحاكمية والاستبداد وندخل بذلك الى موقع الشورى في عقيدة الاسلام ورسوم العبادة فيه ، ليتضح الفارق بين الاسلام الحق وذلك الزيف الذي يخدعون الناس به .

رابعا : موقع الشورى في عقيدة الاسلام ورسوم العبادة :

الشورى في عقيدة الاسلام :

  1. اشرنا فيما سبق الى ان صلح الشورى بعقيدة الاسلام ، فالله تعالى هو وحده الذي لا يسال عما يفعل ، لأن الاله هو الذي لا يملك احد مساءلته ، وتلك صفة يتميز بها عن المخلوقات ، ولذلك يقول تعالى في معرض انفراده وحده بالالوهية " لو كان فيهما آلهى الا الله لفسدتا ، فسبحان الله رب العرش عما يصفون" أي لو كان هناك آلهة مع الله لفسد نظام الكون ، من السموات والارض وتقول الآية التالية عن الله تعالى " لا يسال عما يفعل وهم يسألون" الانبياء 22،23 .
  2. وهنا ارتباط بين وحدانيته تعالى وانفراده وحده تعالى بأنه الفعّال لما يريد دون ان يكون مسئولا عما يفعل امام غيره اما اولئك الغير فهم مسئولون امام الله خالقهم في يوم الحساب .

  3. وتتعاظم مسئولية البشر بقدر ما يناط بهم من اختصاصات ولذلك فالانبياء مثلا- اكبر مسئولية من الافراد العاديين ، والله تعالى يقول عن مسئولية الانبياء والبشر " فلنسألن الذين ارسل اليهم ولنسألن المرسلين" الاعراف 6 .
  4. اى ان مسئولية الامم التى ارسل اليها الانبياء في كفة وتعادلها في كفة أخرى مسئولية الانبياء ، وهذا بالنسبة لليوم الآخر ، والدنيا يقاس حالها على حال الآخرة ، وحقوق العباد يقاس اعتبارها على حقوق الله تعالى ، بل ان الله تعالى يجعل العقوبات الدنيوية في تشريع الجرائم ، فيما يخص حقوق العباد من السرقة والزنا والقتل والقذف

  5. والاستبداد هو نوع من ادعاء الالوهية فالشخص المستبد يرفع نفسه فوق النبي الذي كان مأمورا بالشورى .. والمستبد المتأله يبدأ بزعم انه قائد ملهم ، وينتهي به المر الى انه يحكم بتفويض الهى ، او بمفهوم الحاكمية او الحق الملكى المقدس الذى عرفته اوربا في العصور الوسطى وعرفه المسلمون في الخلافة العباسية .
  6. واذا كان هناك تفويض الهى بالسلطة السياسية فان النبي محمد هو الولى بذلك التفويض حين كان حاكما في المدينة . والمعروف ان الحاكم الديمقراطي يستمد سلطته من الناس الذين يملكون توليته ويملكون مساءلته ويملكون عزله .

  7. ونطرح هنا قضية مصدرية السلطة ، هل هي من الله كما يقول دعاة الاستبداد الثيوقراطي او الحاكمية ؟ او هى من الناس والشعب كما تؤكد الديمقراطية الحديثة . وبمعنى آخر ، ونحن نتحدث عن الشورى في الاسلام وفي عقيدته القائمة على انه لا اله الا الله ، هل كان النبي ( وهو صاحب الوحى السماوي ) يحكم المدينة بتفويض الاهى ويستمد سلطته السياسية من الله ؟ ام يستمد سلطته السياسية من اجتماع الناس حوله ؟ .

الذي يتبادر الى الذهن انه كان يستمد سلطته السياسية من الوحى الالهى ومن التفويض الالهى لأنه كان نبيا حاكما وكان الوحى يصاحب خطواته وحركاته .

وذلك الرأى يسعد أنصار الاستبداد الديني ويرونه مؤكدا لنظرية الحاكمية ، وقد يرد عليه انصار الشورى والحرية السياسية ان ذلك يعتبر خصوصية للنبي لأنه كان نبيا اولا وحاكما ثانيا ، ولأنه ليس بعد محمد عليه السلام نبي ولأنه خاتم النبيين فأن التفويض الألهى بالحكم انتهي يموته لأنه لا وحى بعد كتاب الله ولا نبي بعد خاتم النبيين .

ولكننا نعرض صفحا عن هذا الرأى ، ونعود الى الآية الكريمة التى امرت النبي بالشورى ، فهى قبل ان تأمره بالشورى أكدت على التربة تنبت فيها شجرة المشورة وتثمر ، وتلك التربة هى استمرارية السلطة ومصدريتها ، هل هى من الله بالتفويض الالهى او من الناس .

والآية الكريمة تقول " فيما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حوك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر " والشاهد في الآية الكريمة قوله تعالى " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " .

فقد جعله الله لينا هينا معهم ولم يجعله فظا غليظ القلب ، لأنه لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله . وماذا يحدث لو انفضوا من حوله ؟ لن يكون له سلطان ولن تكون له دولة ، وما كان حاكما مطاعا ، اذا فاجتماعهم حوله هو الذي اقام له دولة وجعل له سلطة ، وقبل ذلك كان في مكة مضطهدا ، واذا انفضوا عنه عادتا اليه قصة الاضطهاد والمطاردة . اذن هم مصدر السلطة له باجتماعهم حوله ، وليست مصدرية السلطة بتفويض الله تعالى له ، ويكفي ان الله تعالى هو الذي جعله لينا هينا مع الناس حتى تجتمع عليه قلوب الناس ، وحذره من ان يكون فظا غليظ القلب حتى لا ينفضوا من حوله ، وامره ان يعفو عنهم وان يستغفر لهم وان يشاورهم في الأمر ، لأنهم شركاؤه في المر ولأنهم مصدر سلطته وكيان دولته واسباب عزته وقوته .

وهكذا فأن امر الله تعالى له بالشورى تأكيد على استمدادية السلطة من الناس ، الذين اجتمعوا حول النبي ، وألف الله تعالى بين قلوبهم فأصبحو بنعمته اخوانا ، والله تعالى يمتن على النبي أنه جعله رحيما هينا بالناس حوله وأنه الف بين قلوبهم ، ولو أنفق النبي ما في الارض جميعا ما استطاع ان يؤلف بين قلوب الذين آمنوا به " الانفال 62،63" .

ومعناه ان العناية الالهية تركزت على الشعب الذي اقام النبي في وسطه حاكما عليه تركزت بتأليف قلوبهم وبجعل النبي لينا معهم ، والهدف ان يكونوا مع النبى قلبا وقالبا .. والمعنى انهم مصدر السلطة ، ولأنهم لو انفضوا من حول النبي وتركوه فلن تكون له دولة .. ولن تكون له ايضا دعوة .

واذا كان هذا حال النبي وهو يحكم المدينة .. فكيف بغيره من البشر ؟ واذا كان النبى لم يدع التفويض الالهى في الحكم ، واذا كان القرآن أكد على استمداده السلطة السياسية من الناس فأى حجة لأصحاب الحكم الثيوقراطي والاستبداد الدينى والكهنوت السياسي ؟

الشورى في رسوم العبادة الاسلامية :

  1. ظهر كما سبق ان الشورى عنصر من عناصر العقيدة الاسلامية ، فالله تعالى هو وحده الذي لا يسأل عمل يفعل ، والنبي نفسه كان مأمورا بالشورى ويستمد سلطته السياسية من الشعب ، وذلك المستبد يقتفي أثر فرعون ويسير في طريق ادعاء الألوهية .

والمؤمن بالله ايمانا حقيقيا لا تشتمل عقيدته على الاعتقاد في حاكم مؤله مستبد ولا يرضى بالخضوع له .

وطالما ان للشورى هذا القسط في عقيدة الاسلام فالمنتظر ان يكون لها نصيب في تشريعاته ورسوم العبادة فيه ، اى ان تكون الشورى فرضا من فرائض الاسلام ، فرضا لازما كالصلاة والزكاة . ونستغرب من هذا الكلام .

هل الشورى فرض من الفروض كالصلاة والزكاة ، او فريضة اسلامية على كمل انسان ؟ واذا كانت كذلك فلماذا سكت عنها الفقهاء ؟

والجواب على السؤال الآتى : لقد سكت عنها الفقهاء لأن الفقه وباقى مصادر التراث ومؤلفاته كالحديث والتفسير قد صيغت في عصور الاستبداد السياسي الذي لم يكن قصرا على الحكام ، بل ان الثوار على الحكام من الشيعة وغيرهم كانوا يؤمنون بالاستبداد بل كانت العصور الوسطى كلها تنبض بالحق الالهى للسلطان ، سواء الخليفة العباسي أو الفاطمى او امبراطور الدولة الرومانية المقدسة او ملك انجلتره او فرنسا . والاستثناء الوحيد كان في دولة الاسلام الأولى التى كان القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يعبر عنها .

والجواب على السؤال الأول : ان القرآن الكريم في آياته المكية أوضح صفات المجتمع الاسلامي والدولة الاسلامية قبل ان يقيم المسلمون دولتهم في المدينة . يقول تعالى في سورة ( الشورى ) "فبما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، والذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون ، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ، والذين اذا اصابهم البغى هم ينتصرون " الشورى 39،36 .

والمعنى ان المجتمنع المسلم له متاع الحياة الدنيا ، وله ايضا ما عند الله تعالى من متاع الآخرة التى هى خير وأبقى . ولكى يستحق هذا المجتمع خير الدنيا والآخرة معا فلابد أن يتصف بعدة صفات هى الأيمان والتوكل على الله تعالى واجتناب الكبائر والفواحش ، والعفو عند المقدرة ، وطاعة الله تعالى والاستجابة له ، واقامة الصلاة واقامة الشورى والزكاة والعزة او الانتصار عندما يقع عليهم بغى او عدوان .

وتلك الصفات يمكن تقسيمها الى صفات ايمانية وصفات اخلاقية وعبادات ، فالصفات الايمانية هى قوله تعالى " للذين آمنو وعلى ربهم يتوكلون " ، والذين استجابوا لربهم " والصفات الأخلاقية " والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون " ، : والذين اذا اصابهم البغي هم ينتصرون " . اما العبادات فهى الصلاة والشورى والزكاة او قوله تعالى " واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون " .

والمعنى ان الشورى جاءت فريضة بين أشهر فريضتين من فرائض الاسلام وهما الصلاة والزكاة ، وهى المرة الوحيدة التى جاء فيها فاصل بين الصلاة وايتاء الزكاة معا وبالترتيب وبدون فاصل بينهما ، وهى المرة الوحيدة التى جاء فيها ذكر الشورى مع الصلاة والزكاة ليؤكد رب العزة على أنها فرض تعبدي مثل الصلاة والزكاة وبنفس الملامح .

فاذا كانت الصلاة فرض عين لازما واجبا فكذلك الشورى واذا كانت الصلاة واجبة على كل مسلم ومسلمة وجوبا فكذلك الشورى ، واذا كانت الصلاة واجبة في كل الأحوال في السفر والحضر وفي الصحة والمرض وفي السلم وفي الحرب .. فكذلك الشورى . ثم اذا كانت الاستنابة لا تصح في الصلاة اى لا يصح ان يصلى احد عنك .. فكذلك لا يصح في الشورى الاسلامية ان يكون فيها نظام نيابي او أهل الحل والعقد الذين يفكرون بالنيابة عن الناس وانما مجتمع المسلمين كلهم اعضاء في مجلس الشورى ، كل واحد في موقه . ولأن الشورى في الاسلام عبادة فالمسلم عليه ان يمارسها في كل موقع ، في بيته ومصنعه ومعمله ومجتمعه ، أي يتنفس لشورى وينبض بها قلب المجتمع ، حيث لا مجال فيها لأى عذر شأن الصلاة .. فكذلك كان النبي والمسلمون يمارسون فريضة الشورى .

الفصل الثانى

تطبيق فريضة الشورى في عهد النبى

اولا المسجد للصلاة والشورى :

  1. الآيات السابقة عن فريضة الشورى نزلت في مكة ، ثم اصبح لها التطبيق العملى كفريضة اسلاميى في المدينة . والاسم السابق للمدينة" يثرب" فلما انتقل اليها النبى والمهاجرون واقيمت فيها اول دولة اسلامية حملت اسم "المدينة " لتكون عنوانا لدولة جديدة ومجتمع مدنى متحضر ، وكانت الشورى من ابرز ملامح ذلك المجتمع المدنى المتحضر خصوصا في عصور سيطرت عليها الجهالة والاستبداد والظلم .
  2. وذلك المجتمع المدنى في " المدينة" عرف تطبيق كل الوامر السامية التى نزل بها وحى القرآن ، ولأن الشورى نزلت في مكة مقترنة بالصلاة فقد مارسها المسلمون مع النبي في المسجد باعتبارها فريضة كفريضة الصلاة تماما .

    والدليل على ذلك ان الصلاة والشورى معا كان لهما مكان واحد هو المسجد ، وأنه كان حين يجد أمر جديد يستلزم عقد الشورى كان المؤذن في المسجد ينادي في الناس " الصلاة جامعة " فيسرع الجميع الى المسجد ، تمام كما يحدث في الصلاة ، والفارق ان مواعيد الصلاة المنتظمة خمس مرات في اليوم ، اما عقد مجلس الشورى فكان يتم عندما يستدعى أمر يستوجب عقد المجلس فيؤذن المؤذن .

    وكان أعضاء مجلس الشورى هم كل أفراد المجتمع المسلم كشان الصلاة وهم يهبون سراعا الى المسجد اذا قال لهم المؤذن " خى على الصلاة " للصلاة ، أو " الصلاة جامعة " للشورى .

  3. وكان المنافقون يتكاسلون عن الذهاب للمسجد في أوقات الصلاة وكان بعض المؤمنين يتكاسلون عن الذهاب للمسجد حين يدعى الى الشورى . وقد عاب القآن على امنافقين تكاسلهم عن النهوض للصلاة في المسجد فقال تعالى " ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم واذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى ، يراءون الناس ولا يذكرون الله الا قليلا " النساء 142 .

وعاب القرآن ايضا على بعض المؤمنين حين كانوا يتكاسلون عن حضور الشورى في المسجد ، وكان ذلك في بداية عهد المؤمنين في المدينة ، وبداية توطيد الدولة المدنية فيها ، ولم يكونوا قد تعودوا تلك النظم ، ونزلت الآيات في سورة النور اولى ما نزل من السور المدنية ، وهى السورة التى حفلت بالتشريعات الاجتماعية والقانونية للمسلمين مثل الاستئذان والزي وعقاب جريمتي الزنا والقذف وزواج الفقراء والأرامل والنظام القضائي ، ثم الوعد لهم بالتمكين في الأرض وان يبدلهم الله بعد خوفهم امنا اذا سمعوا واستجابوا ، وفي خلال هذه التشريعات نزل قوله تعالى يعيب على بعض المؤمنين تكاسلهم عن حضور مجالس الشورى " انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ، واذا كانوا معه على امر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ، ان الذين يستأذنونك اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ، فاذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ، ان الله غفور رحيم ، لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ، د يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ، فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب أليم ، الا ان لله ما في السموات والأرض ، قد يعلم ما انتم عليه ، ويوم يرجعون اليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم " النور 62،64 .

الآيات نزلت تعيب على بعض الذين يستأذنون النبى في عدم حضور الشورى والذين يتسللون بعد حضورهم ، ومعنى ذلك ان النبي كان ينفذ الشورى قبل نزول الآيات ، وحدثت تلك التجاوزات فنزلت الآيات تصحح وتوضح ، واذا عرفنا ان سورة النور من اوائل ما نزل في المدينة فمعناه ان ممارسة الشورى بدأت مبكرة في اليام الأولى لقيام الدولة المدنية في المدينة ، وانه كانت الشورى جذور في مجتمعات المسلمين السرية في مكة ، ومعلوم ان سورة الشورى نزلت في مكة .

ونتابع التأمل في آيات سورة النور الخاصة بممارسة الشورى :

  1. فالآيات تبدأ بتحديد الذي يؤمن بالله ورسوله هو الذي لا يتكاسل عن موضوع الشورى ، وتنتهى الآيات بتقرير ان لله ما فى المسوات والأرض وانه يعلم ما يفعلون .
  2. واعتبار الشورى فريضة ملزمة لكل مؤمن يظهر في الآيات من خلال عدة أمور منها (1) وجوب الحضور على كل مؤمن في المسجد بمجرد ان يؤذن للشورى ويعلن ان " الصلاة جامعة " (2) ، تشريع الأعذار في حدود ضيقة في ضوء ذلك العذر بالتغيب ، ثم يستغفر له الله لأن عذره قهره (3) . التحذير من التكاسل عن الحضور بقوله تعالى " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " والتحذير من التسلل بعد الحضور، " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا " . ثم ايراد التحذير بصورة قاسية مما يؤكد ان فريضة الشورى لازمة لا مجال فيها للتهاون والتكاسل ، يقول تعالى " فليحذر الذين يخالفون عن أمره ان تصيبهم او يصيبهم عذاب أليم " .
  3. وقد كان الذين يتكاسلون عن الشورى مجرد أفراد ، وكان من الممكن ان يتجاهلهم القرآن ، ولكن لأنها فريضة على كل فرد وسيكون مسئولا فردية يوم القيامة شأن الشورة فقد نزل التوضيح وذلك التحذير.
  4. وطالما هي فرض على كل مسلم فلا يصح فيها الاستنابة ، وبالتالى فان ما يعرف بالنظام النيابي أو أهل الحل والعقد لا مجال له في الشورى الاسلامية .

ثانيا متاعب ممارسة الشورى :

وبعد هذا التهديد والوعيد عرف المسلمون قيمة الشورى فكانوا لا يتخلفون عن حضور مجالسها بدليل ان الآيات المدنية التالية فيما بعد لم يأت فيها عتاب او تهديد يخص ذلك الموضوع .

وقد كان يحدث ان ينزل أمر فلا يتم تنفيذه كما ينبغى فتنزل آيات تنبه وتحذر ، وعلى سبيل المثال فقد نزلت آيات تحذر المؤمنين من الجلوس مع المنافقين الذين يتحدثون في الاستهزاء بالقرآن والخوض فيه ، ولم يلتزم عض المؤمنين بتلك الأوامر فنزل قوله تعالى يذكرهم ويحذرهم " وقد نزل عليكم في الكتاب ان اذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث عيره ، انكم اذا مثلهم " النساء 140 .

لم ينزل بعد سورة النور ما يفيد ان المؤمنين تكاسلوا بعدها عن الشورى او تسللوا لواذا من مجالسها ، ولم يقع التحذير الذي قال عنه رب العزة " فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب أليم " . بل ان الآيات المدنية التالية تؤكد على ان العكس هو الذي حدث.

فقد مارس المؤمنون من خلال الشورى كامل حريتهم في القول والفعل السياسي .. وتحمل النبى ذلك بصبر استوجب ان تنزل آيات فيما بعد تلوم المؤمنون على انهم وقعوا في المزايدة على النبي ، وانهم تناسوا آداب الخطاب معه بحيث كانوا في مجالسهم معه يرفعون اصواتهم فوق صوته ويجهرون له بالقول كشأنهم في الاسواق وفي الشوارع .فقال تعالى يحذرهم " يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " ، وهذا نهى عن المزايدات واختيار التطرف فوق ما يريده النبي الله ورسوله " ، وهذا نهى عن المزايدات واختيار التطرف فوق ما يريده النبى ، وتقول الآية التالية "يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ، ان تحبط اعمالكم وانتم لا تشعرون " الحجرات 1،2 .

وبعضهم في مزايداته كان يسرف في الوعود والمواقف الكلامية ، ثم اذا جاء أوان الجد تضاءل وتنصل من تصريحاته واقواله ، فقال تعالى يعيب عليهم " يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ؟ كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون " الصف 2،3.

وبعضهم اعطته الشورى حرية القول والفعل الى درجة ايذاء النبي واتهامها فقال تعالى يحذرهم من الوقوع فيما وقع فيه اليهود حين أذوا موسى " يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ، وكان عند الله وجيها ، يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقوا قولا سديدا " الأحزاب 70،69 .

وبعضهم خلط بين مكان الشورى وهي المسجد وبيت النبي ، او خلط بين العام والخاص ، وبعد ان تنتهى جلسات الشورى في المسجد كان يذهب الي بيوت النبي وفيها نساؤه وهي تقع بجوار المسجد فيظل يواصل الحديث ، بعد ان يدخل بدون استئذان كما لو كانت جزءا من المسجد ، وكما لو كانت تؤدى نفس الدور في فريضتي الصلاة والشورى ، فاذا حل موعد الغذاؤ او العشاءء تناولوه مع النبي دون ان يعطوه حقه في الراحة ودون ان يراعوا خصوصياته في بيته ، بل ان بعضهم كان يتجرأ فيقتحم حجرات نساء النبي يطلب منهم طعانا او شيئا من الوانى والأمتعة ، والنبي بما وهبه الله تعالى من حياء ولين وتسامح كان يستحى من الاعتراض على ذك الذي يحدث ويجافي الذو والأداب ، ولذلك نزل قوه تعالى ينبه المؤمنين " يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا ان يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين أناه ، ولكن اذا دعيتم فادخلوا فاذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ، ان ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ، والله لا يستحي من الحق ، واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ، ذلكم اطهر لقلوبكم وقلوبهم " الأحزاب 53 .

وهذه التوجيهات تدخل في نطاق ما يسمى بنقطة النظام، او التوجيه الأمثل للممارسة الديمقراطية ، فالمعروق ان ممارسة الشورى او الديمقراطية تستلزم الكثير من المعاناة والصبر والتحمل ، واذا كانت تلك الممارسة في مجدتمع بدوي عاش قرونا من الجاهلية فالمشكلة اصعب حيث تعود المجتمع القبلي الانصياع لشيخ القبيلة وحيث نهب الحروب فتلتهم آلاف الشباب لمجرد هوى او خلاف شخصي بين بعض شيوخ القبائل .

ثالثا : المنافقون والمعارضة الحزبية :

واذا تجاوزنا هذه التربية القبلية الجاهلية واثرها السئ في القاء المتاريس في شارع الممارسة الديمقراطية او الشورى فاننا نواجه ما هو أخطر وان كان متصلا بنفس العامل الأول الخاص بالطبيعة القبلية الجاهلية ، ونعنى به دور المنافقين في محاولة افشال العملية الديمقراطية او الشورى ضمن مساعيهم في الكيد للدولة الجديدة .

فاولئك المنافقون كانوا من ذوى النفوذ القبلي السابق في يثرب قبل ان تتحول الى المدينة وتصبح اول دولة اسلامية . والثابت تاريخيا ان زعامة الخزرج كانت في يد عبد الله ابن سبأ ، وقد كاد ان يصبح حاكما رسميا ليثرب لولا ان دخلت بالاسلام عصرا جديدا اطاح به وبأحلامه فدخل فغي الاسلام ظاهريا ودفن احقاده في قلبه ، وكان معه على نفس الوتيرة طائفة من الاغنياء واصحاب العصبيات الذين ساوى الاسلام بينهم وبين الفقراء والضعاف من الناس . ومن خلال حديث القرآن الكريم عن المنافقين نعرف كثرة أموالهم وأولادهم وضخامة اجسامهم ( التوبة 55،85،75،78 ، المنافقون 4 ) وذلك دليل علمى على مكانتهم الاجتماعية الاقتصادية .. ولذلك كان الاستعلاء ابرز ما يبدو في سلوكهم نحو المسلمين بل ونحو النبي ، ويظهر من دعوة اقاربهم لهم بالرجوع الى الحق في استكبار ويتهمون المؤمنين بالسفاهة " واذا قيل لهم آمنوا آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ؟" البقرة 13 ، واذا دعوهم الى التوبة وتصحيح الخطأ امام النبى والاستغفار منه استكبروا واستنكروا " واذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرين " المنافقون 5 .

انهم قد فقدوا بالاسلام جاههم القديم ، اذ انمحت عصبية القرابة والقبلية وحل محلها الولاء لله ورسوله ، ولأن ثرواتهم وقرابتهم في المدينة اجبرتهم على مسايرة الوضع الجديد واظهار الايمان الا ان الحرية السياسية التى اتاحتها الدولة الجديدة مكنتهم من ممارسة الكيد بالقول والفعل وايذاء النبي ما استطاعوا .. والآيات في ذلك كثيرة ، ولكننا نتوقف مع موقف المنافقين مع قضية الشورى بالذات باعتبار انهم كانوا المعارضة الدينية والسياسية للدولة الجديدة .

لقد كان المنافقون هم اصحاب الأمر والنهى قبل الاسلام ، ولذلك كرهوا ان يكون الأمر شورى ومشاعا بين جميع المسلمين ، ومن الطبيعي ان يكونوا القادة في مجالس الشورى التى كان النبي يعقدها في المسجد ، ومن الطبيعي ايضا ان يوجهوها حسب الشوري التى كان النبي يعقدها في المسجد ، ومن الطبيعي ايضا ان يوجهوها حسب اغراضهم ومكائدهم ، خصوصا وهم اكثرية سياسية من عوام المسلمين الذين لم يسبق لهم الاسهام في الشورى والحياة العامة ، وتعودوا تنفيذ الأوامر وطاعتها ، بنفس ما اعتاد المنافقون من قبل اصدار الأوامر من قبل اصدار الأوامر لهم والزامهم بها .

ولأن النبي كان هينا لينا متسامحا ولأنه لا يستبد بالأمر وانما ينفذ قرارات مجالس الشورى ، فقد تحولت تلك القرارات الى طاعة للمنافقين واغراضهم ، لذلك نزلت سورة الأحزاب المدنية وفي اولى آية منها يقول تعالى للنبي " يا ايها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين " ، ومن الطبيعي ان تكون تلك المجالس الشورية في بدايتها مظهر قوة للمنافقين جعلتهم يجرءون على ايذاء النبي في شخصه ، ربما بتسفيه رأيه والتقول عليه ، لذلك فإن سورة الاحزاب تكرر النهى للنبي ألا يطيع الكافرين وان يعرض عن ايذائهم له " ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع اذاهم وتوكل على الله" الأحزاب 84 .

الا ان ممارسة الشورى نفسها اقامت للمسلمين دورات تدريبية رفعت من مستواهم السياسي وفى نفس الوقت اظهرت استغلال المنافقين للمواقف وكيدهم وتآمرهم ، وتأكد هذا بدخول المسلمين في عمليات قتالية دفاعية ، كانت هى الفيصل في تحديد الولاء للدولة ، اذ ان المنافقين تكاسلوا عن الدفاع عن الوطن والعشيرة في مواقف فاصلة كغزوة الأحزاب بل وظهر تىمرهم مع العدو ، ونزل القرآن يحكى ذلك كله بالتفصيل مما اضطر المنافقين الى سياسة جديدة ، فبعد ان كانوا يتعاملون مع المؤمنين بالاستكبار والتعالى ، كما يظهر في السور المدنية الأولى ، اصبحوا يؤكدون للمؤمنين بالايمان المغلظة والحلف الكاذب بالله انهم مؤمنون مخلصون ، لذلك تقول سورة التوبة مثلا ، وهى من أواخر السور المدنية عن المنافقين " ويحلفون بالله انهم لمنكم ، وماهم منكم ولكنهم قوم يفرقون ، لو يجدون ملجأ او مغارات او مدخلا لولوا اليه ، وهم يجمحون "التوبة 56،57.

أي يحلفون بالله انهم من المؤمنين ، وماهم من المؤمنين ولكن الحقيقة انهم يخافون "يفرقون" ولو استطاعوا الهرب الى ملاجئ ومغارات لهربوا اليها من فرط خوفهم .

وفي آية اخرى يقول تعالى عنهم " يحلفون لكم لترضوا عنهم" التوبة 96 . ومعناه ان المعارك الحربية ارست وضعا جديدا في مجتمع المدينة السياسي ، اذ ان الخلق العربي البدوي يحتقر الجبناء الذين يرضون لأنفسهم البقاء في البيوت مع المتخلفين من النساء والصبيان ، او بتعبير القرآن الكريم عن المنافقين " رضوا بأن يكونوا مع الخوالف "التوبة 87،93 . والخوالف هم النساء والاطفال .

أى انهم بقعودهم عن القتال فقدوا اعتبارهم ومكانتهم في المجتمع ، واحتل مكانهم من هو أكثر منهم شجاعة واخلاصا وتفانيا من المسلمين الفقراء ، وبالتالى انعكس الوضع الجديد على مجالس الشورى ، فأصبح المنافقون فيها أكثر تأثيرا وأخفض صوتا . بينما علت اصوات المؤمنين ، حتى كانت تعلو فوق اصوات النبى وتجهر له بالقول ز

والمنافقون في تآمرهم القولى وتناجيهم بالأثم والعدوان اتهموا النبي في ذلك الوضع الجديد بأنه يعطي أذنه للمؤمنين الذين وصلت بهم الاحداث الى مرتبة التاثير والصدارة بحكم بلائهم وفاعليتهم في السلم والحرب ، ولم يدافه النبى عن نفسه ، ونزلت آية قرآنية تدافع عن النبي ، يقول تعالى " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، قل أذن خير لكم ، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ، ورحمة للذين آمنوا منكم ، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم " التوبة 61.

قالوا عنه انه "أذن" أي يعطي أذنه الى من هب ودب ، ودافع الله تعالى عن النبى بأنه أذن خير للمؤمنين ، أي يسمع لمنا فيه خيرهم ، وهو " يؤمن للمؤمنين " أي يثق فيهم ويطمئن اليهم ، وذلك تعريف واضح بالمنافقين الذين تعودوا ايذاء النبي بالاتهامات والافتراءات .

رابعا : الشورى والمعارك الحربية :

كانت الشورى من ممارسة القوة لذا تحولت بقوة المسلمين في الجهاد الى شورى يتمتع بها المؤمنون دون المنافقين ، وتم ذلك بالتدريج خصوصا وان الوحى كان ينزل يوضح الطريق ويفضح المنافقين وتآمرهم ، وكان ذلك الوحى قرآنا يتلى في الصلاة وفي المسجد مما ادى في النهاية الى انعزال المنافقين وانعدام نفوذهم السياسي .

وكانت ظروف الحرب مناسبات تفضح حقيقة المنافقين وتظهر عداءهم للدولة والمجتمع الذي يعيشون في اطاره ، وبتوالى انتصارات الدولة تضاءلت معارضة المنافقين وانكمشوا على انفسهم ، وبنفس القدر اصبحت لهجة القرآن عالية في تأنيبهم في أواخر السور المدنية كما غي سورة التوبة او سورة براءة .ألا ان ظروف الحرب كانت مناسبات هامة لعملية الشورى ، وقد اوردت كتب السيرة بعض الروايات ، ولكن ما ورد في القرآن أروع وأصدق .

وفي غزوة بدر خرج النبي بطائفة قليلة ليأخذ حقوق المسلمين من تجارة لقريش ، وفوجئ الجيش القليل بأن عليه ان يواجه جيشا يفوقه ثلاث مرات وتحكى روايات السيرة ان النبي شاور اصحابه فاندفعوا في تأييده في حماسة بالغة ، ولكن القرآن يؤكد ان طائفة منهم عارضت النبي في قرار الحرب كراهية في الحرب وجادلوا النبي في الحق الذي تبين ، وبعد ان اقتضت المصلحة والأغلبية حتمية الحرب والمواجهة كانت تلك الطائفة من المؤمنين "كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون"الأنفال 5،6.

وفيما يخص الشورى فان الآيات تشير الى حرص النبى على الشورى وانه عرض عليهم وعد الله تعالى له بالنصر اذا لم يحصل على القافلة ، ومع ذلك كان الاحتجاج والجدال في الحق الذي تبين ، ثم كان الانصياع للحق في النهاية حيث تحتم المصلحة السياسية والحرية ضرورة الصمود والتصدي والا فقد ضاع مستقبل الدولة ، والقرآن يقول في هذا الموقف " يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون واذ يعدكم الله احدي الطائفتين انها لكم وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم " الانفال 6،7 . اى كانت الشورى حتى ظروف الحرب الاستثنائية وقت المواجهة تسمح لهم بالجدال مع النبي وحتى في الحق الظاهر الذى لا مراء فيه .

وبعد غزوة بدر نزلت سورة الانفال تحذر من وقوع الشقاق والخلاف أثناء المعركة وألا تتحول الشورى وقت الحرب الى تنازع ، وان تكون الشورى في الطاعة الكاملة لله ورسوله ليتم الثبات في القتال " الانفال 54،46 . وتناسى المؤمنون تلك الدروس التى جاءت بها سورة الانفال بعد انتصار "بدر" فكانت الهزيمة في غزوة أحد ، فبعد ان استقر المسمون في البداية نسوا امر النبي وتنازعوا في الغنائم فأصابتهم الهزيمة ، ونزل القرآن يحدد سبب الهزيمة بأنه التنازع وعصيان النبي وتفضيل الدنيا وغنائمها على الآخرة " آل عمران 152 .

وبعد هزيمة أحد عقد النبي مجالس الشورى للتحقيق في الهزيمة وضرورة الاستفادة من الدروس ، وفي ذلك الوقت كان المنافقون يتمتعون بالنفوذ والهيبة فأتيح لهم ان يحملوا النبي مسئولية الهزيمة لأنه- كالعادة- استشار قبل الخروج لغزة أحد ، هل ينتظر جيش المشركين الى ان يأتى للمدينة ام يزحف للقائه في الطريق ، وكانت الأغلبية تؤيد الرأي الاخير وأخذ النبي برأيهم ليس فقط لأنهم الأغلبية ولكن ايضا لأنهم في معظمهم شباب متحمس يريد ان ينال شرف الانتصار الذي سبقه اليه آخرون في بدر .. لذا انطلق الرسول بالجيش الى أحد وانسحب المنافقون من الجيش بزعامة عبد الله بن أبى ، ثم كانت الهزيمة بسبب عصيان الرماة لأوامر النبي وليست لأنه نفذ الأغلبية المتحمسة وزحف بهم الى خارج المدينة ، وتناسى المنافقون في المدينة ، وأخذوا يتحسرون على ضياع نفوذهم قائلين" هل لنا من الأمر شئ" ،" لو كان لنا من الأمر مشئ ما قتلنا هاهنا " ، ووصف القرآن هذه المعارضة بأنها معارضه أنانية من طائفة لا ترى الا نفسها ولا ترى الصالح العام ، او بتعبير القرآن " وطائفة قد اهمتهم انفسهم " آل عمران 154 .

والملفت للنظر ان اولئك الذين تعالت اصواتهم في مجالس الشورىة في تأنيب النبي والمؤمنين المقاتلين ، اولئك المنافقون القائلون " لو كان لنا من المر شئ ما قتلنا هاهنا " تخلفوا عن القتال وقعدوا في المدينة ، وبعد الهزيمة وجدوا فرصتهم في لوم النبي ، مع انهم لو كانوا في مجتمع ديمقراطي في عصرنا وتخلفوا عن المعركة قبل الألتحام لحوكموا بتهمة الخيانة العظمى او بالهروب وقت المعركة .

الا ان القرآن اكتفى بالرد عليهم بتأكيد تلك الحقيقة التى تخزيهم فقال " الذين قالوا لخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا " آل عمران 169 . اى أنهم قالوا وقعدوا عن القتال ، واكتفوا باللوم وهم قاعدون عن القتال . وحين طلبهم المؤمنون للقتال قبل نشوب الحرب رفضوا المشاركة في القتال دفاعا عن المدينة وأهلها فقال تعالى عنهم " وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله او ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم " آل عمران 167 .

قالوا لهم " تعالوا قاتلوا في سبيل الله" اى اذا كنتم مؤمنين ، " او ادفعوا " أي دافعوا عن وطنكم وأحسابكم فقط اذا لم تكونوا مؤمنين ، الا انهم رفضوا قائلين " لو نعلم قتالا لاتبعناكم " .

والمهم انهم بعد هذا الموقف المخزي فقد كان لهم متسع في مجالس الشورى واتيح لهم ان يتهموا النبى بالباطل وان يتهموا المقاتلين معه ، ولم يرد النبي على اتهاماتهم ، لذلك نزل القرآن يدافع عن النبي ويرد عنه اتهاماهم . وفي غزوة الأحزاب حدث موقف جديد وشديد .. اذ حوصرت المدينة بأكبر جيش لم تعرفه الجزيرة العربية من قبل ، وحين وردت انباء الزحف المعادى للمدينة عقدت مجالس الشورى ، وفيها تمت البيعة والعهد على الدفاع عن المدينة واّلا يتخلف عن ذلك أحد .

وفي مجالس أخرى تم الاتفاق فيها على كيفية المواجهة الحربية للجيوش المعادية ، وحفر خندق يحمى المدينة ، ولكن المنافقين نسوا العهد بالدفاع عن المدينة حين حوصرت المدينة فأخذوا في التسلل من مواقعهم الحربية قائلين "ان بيوتنا عورة" وما هى بعورة ان يريدون الا فرارا ، لذلك قال تعالى يذكّرهم بالعهد " ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا " الأحزاب 13،15 . والقرآن يخبر ان اولئك الجبناء عند الحرب يكونون أطول الناس ألسنة في مجالس الشورى " فاذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ، فاذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد" الأحزاب 19 .

أي انهم يكررون مواقفهم في الغزوة السابقة (غزوة أحد) ، وهى دعوة ضمنية لعدم الاعتداد باتهاماتهم المغرضة ، صحيح ان لهم الحق في اعلان الرأي وهم يمارسونه بلا كلل والى درجة الافتراء والاتهامات بالباطل ، ولكن من حق المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والفاعلين بجهدهم وعرقهم ودمائهم ان يكونوا أعلى صوتا لأنهم في الوضع الجديد ادرى وأعلم وأفضل من غيرهم ، ثم هم الذين ينفذون قرارات الشورى وهم الذين يلتزمون بها ، أما الأخرون فلا عمل لهم الا الأفتراء بالباطل .

ويذكر ابن هشام في سيرته انه لما علم الابتلاء في حصار الأحزاب ارسل النبي الى زعماء غطفان المشاركين في الحصار يدعوهم للصلح والانفصال عن الأحزاب مقابل ان يعطيهم ثلث ثمار المدينة ، ووافق زعيما غطفاء عيينه بن حصان والحارث بن عوف ، واستشار النبى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فرفضا فلم يتم عقد الصلح .

وعلى فرض صحة هذه الروايات التاريخية فانها تؤكد على ان المشورة التى انتهت الى عدم تنفيذ رأى النبى ، والأحداث التالية تثبت ان هذه المشورى كانت صائبة في عدم التسليم ، وان كان الوحى لم يشر الى تلك الواقعة ، على ان بعض مجالس الشورى كانت تأتى برأى غير صائب فينزل الوحى فينبه على الخطأ كما حدث في قضية أسرى بدر وماذا يفعل النبى معه ، يقول تعالى " ماكان لنبى ان يكون له أسرى حتى يسخن في الأرض ، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ، والله عزيز حكيم ، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم " الأنفال 67،68. ويلاحظ ان الآية بدأت الحديث عن النبي وما ينبغى عليه ان يفعل " ما كان لنبى ان يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض .." وبعدها توجه الخطاب للمؤمنين جميعا بالتأنيب "تريدون عرض الدنيا" و" لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم" فالخطاب بالجمع أي لجموع المؤمنين ، اى ان المسئولية هنا جماعية لأنهم رأوا رأيا جماعيا عن طريق الشورى ، وتحملوا كما حدث في مواقف كثيرة منها مثلا " يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك " التحريم 1 . فالكلام هنا عن أمر شخص وقع فيه النبى واستحق التأنيب عليه .

خامسا : آلية الشورى :

بعض الاشارات الى آلية الشورى تناثرت بين السطور السابقة ومنها ان القرارا يكون للأغلبية ، وان الشورى الاسلامية لا تعرف النظام النيابي او تعبير أهل الحل والعقد .ان المنافقين لم يكونوا أغلبية عديدة ، صححي انهم كانوا في بداية الدولة اصحاب سيطرة ونفوذ ، ولكن بمرور الزمن فقدوا ذلك حين تعلم المؤمنون المشاركة السياسية وحين تقاعس المنافقون عن القتال والجهاد ونزل القرآن يعيب عليهم تخاذلهم ومكائدهم ، وبالتالى فقدوا وجاهتهم الاجتماعية ومكانتهم السياسية وأصبحوا أقلية عددية منبوذة ، لها حق المشاركة في الشورى ولكن يتمتعون بالشك فيهم والارتياب في نواياهم .

ولذلك كانت القرارات في مجالس الشورى تأتى معبرة عن الأغلبية الفاعلة المتحركة ، الا ان المنافقين لم يسكتوا على ضياع نفوذهم ، فحولوا جهدهم الى جلسات غير رسمية يعقدونها سرا ويتناجون فيها بالأثم والعدوان والتآمر على النبي والمسلمين ، وانتشرت تلك الجلسات وانخدع بها بعض المؤمنين ، وصارت المدينة خلية نحل تدوى بالهمسات والمناجيات ، وأحس النبي بأن تلك الجلسات غير الرسمية تهدد مجلس الشورى وتغذى الاشاعات وتنشر الدسائس فنهاهم عنها ودعاهم الى ان تطرح كل الموضوعات في مجلس الشورى التى يحضرها الجميع ، وان تتم مناقشتها بصورة علنية ، ولكن المنافقين رفضوا ، بل وشجعتهم تلك الخطوة في تحدي النبي فكانوا يدخلونا عليه يلقون اليه بالتحية في استهزاء وبغير تحية الاسلام . ولذلك نزلت آيات تفضح المنافقين ومجالسهم المشبوهة ، وتقول " الم تر الى الذين نهو عن النجوى ثم يعودون لما نهو عنه ، ويتناجون بالأثم والعدوان ومعصية الرسول ، واذا جاءوك حيّوك بما لم يحيّك به الله ، ويقولون في انفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول " المجادلة 8 . فالأية تتحدث عن المنافقين الذين نهاهم النبي عن مجالس النجوى فعصوه واستمروا في مجالسهم يتناجون بالأصم والعدوان ، ثم يؤذون النبى ويحيونه بغير تحية الاسلام .

ولأن المؤمنين انخدعوا بتلك المجالس واشتركوا فيها ، ولأنهم قد تعودوا سماع الرأى والرأى الآخر فأنهم لم يجدوا من الغريب ان يسمعوا في تلك المجالس السرية الهجوم على النبي ، واعطوا آذانهم لآشاعات المنافقين ، أي اصبحوا شركاءهم بالصمت وترديد الاشاعات ، لذلك قال تعالى ينهاهم لا عن حضور تلك المجالس ولكن عن تحويلها الى دسائس ومناجاة بالاثم والعدوان والكيد والتآمر ، يقول تعالى لهم " يا ايها الذين آمنوا اذا تناجيتم فلا تتناجوا بالأثم والعدوان ومعصية الرسول ، وتناجو بالبر والتقوى، واتقوا الله الذى اليه تحشرون" وتقول الآية التالية تفضح اسلوب النجوى السري "انما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا الا بأذن الله ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون" المجادلة 9،10.

اى ان هدف المنافقين من النجوى هو الاضرار بالمؤمنين ومصادرة نظامهم الشورى والالتفاف حول مجلس الشورى وتعويض افتقارهم للأغلبية فيه بالسيطرة على الرأى العام من خلال مجالسهم الشرية واشاعاتهم . ومجرد النهى عن تلك المجالس السرية لا يكفي في اعادة المنافقين وأعوانهم الى مجالس الشورى ولكن لابد من اجراء بعض التصحيحات في مجالس الشورى نفسها ، فالمؤمنون الفاعلون الذين صعدت بهم الأحداث الى موقع الصدارة والقيادة في المجلس كانت تقعمنهم بعض التجاوزات في المجلس أشرنا الى بعضها في طريقة المزايدة على النبى ورفع اصواتهم فوق قوته ، واذا كانوا يفعلون ذلك مع النبي نفسه فالمنتظر ان يكونوا اكثر حدة مع غيره ، واذا كان النبي يتسامح واذا كان بعض المؤمنين يتسامحون فان المنافقين ليسوا كذلك ، وقد اعتاد المنافقون في البداية تصدر مجالس الشورى ، وحتى اذا كانت الأغلبية قد اضاعت منهم فان الشكل المظهرى يرضيهم ، ولكن المتحمسين من المؤمنين افقدوهم هذه الصدارة ايضا ، وكان عليهم ان يدركوا ان من الأفضل سياسيا ان يتركوا تلك الصدارة الظاهرية في المجالس للمنافقين ، فالمهم هو الرفعة الحقيقية واعمال الجوارح ، لذلك كان النبي يأمر اولئك المؤمنين بأن يفسحوا الصدارة في المجلس لولئك المتعاظمين من المنافقين ، او اذا كانوا في المقدمة فليتركوها لهم ، ولم تكن الاستجابة كاملة من المؤمنين لهذا التوجيه النبوى ، لذا نزل قوله تعالى للمؤمنين " يا ايها الذين آمنوا اذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ، واذا قيل لكم انشزوا فانشزوا ، يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ، والله بما تعلمون خبير"المجادلة 11 .

وكان ذلك علاجا لتأليف قلوب المنافقين وارضائهم ، وبقى علاج آخر لاتباع المنافقين من المؤمنين ممن كانوا يحضرون مجالس النجوى والدسائس ، واعلاج ألا تكون النجوى بعيدة النبي ، بل تكون موجهة له ، وان تكون في الخير والطاعة وبدليل علمى ظاهرى هو تقديم صدقة لبيت المال ، صدقة تطوعية لاثبات حسن النوايا، ومن لا يجد فالله تعالى يغفر له ، ولكن عليه ان يتمسك بالصلاة والزكاة وطاعة الله ورسوله ، يقول تعالى " يا ايها الذين آمنوا اذا تناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ، ذلك خير لكم وأطهر ، فان لم تجدوا فان الله غفور رحيم ، أأشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ؟ فان لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون" المجادلة 12،13. ثم تحذر الآيات التالية اولئك المؤمنين تابعوا المنافقين في مجالسهم المتىمرة ، فتقول " الم تر الى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ماهم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ، اعد الله عذابا شديدا .. الى آخر الآيات من سورة المجادلة 14 . لقد كان المنافقون يطمعون في ان يكونوا أهل الحلّ والعقد في الدولة وعصر الرسول في المدينة لم يعرف هذا المصطلح" أهل الحل والعقد" لأن الشورى حينئذ كانت فرضا لازما لكل فرد ، وكل الفرد وكل مسلم ومسلمة كان من اهل الحل والعقد . وسبق توضيع ان الشورى الاسلامية لا تعرف الاستنابة او النظام النيابي او التمثيل النيابي ، او ان يقوم بعض الناس بالتفكير نيابة عن الشعب ، فالشورى جاءت بين اقامة الصلاة والزكاة " واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" أي ان الشورى فرض لازم كالصلاة ، وتؤدي مثلها في المسجد ، فاذا كانت الصلاة واجبة على كل فرد فكذلك الشورى ، واذا كانت الصلاة واجبة في كل الأحوال في السفر والحضر والصحة والمرض والسلم والحرب فكذلك الشورى . واذا كانت الصلاة لا تصح فيها الاستنابة ، اى لا يصح ان يصلى أحد عنك فكذلك المشورة ، لا يصح ان يقوم أحد عنك بالشورى .

وسبق ان توقفنا مع آيات سورة النور التى عابت على بعض المسلمين تسللهم لو اذا من المسجد حين يدعى لمجلس الشورى في كل أمر جامع ، وقال تعالى لهم " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب أليم" . ولو لم تكن فريضة الشورى الزامية على كل مسلم ما نزل هذا الانذار وذلك التحذير . وهذا يعني ان مجلس الشورى ينعقد بأعضاء هم كل المسلمين ، ولا يسمح النبى بالتخلف عنه الا لعذر قهرى ، وان المسلمين اذا سمعوا النداء " بالصلاة جامعة " عرفوا ان هناك مجلسا للشورى يدعوهم فيسرعون بالنهوض للمسجد ، وما كان القرآن ليسمح بوجود " ملأ" حول النبي يتحكم في الأمور ، لسبب بسيط ان القصص القرآنى حفل بما كانيفعله الملأ من ارساء الظلم والاستبداد .

ولكن قيام الحكم الأموى كان بداية للأستبداد وتحكم الملأ تحت مصطلح أهل الحل والعقد .. وفي العصر العباسي تم تقعيد هذا المصطلح وتأصيله دينيا بدعوى طاعة " اولى الأمر" ، وذلك يستدعى منا التوقف حول مدلول " اولى الأمر" في القرآن وصلته بالشورى .

ان القرآن الكريم يعلى من شأن اولى الخبرة والاختصاص ، ومع ان القرآن الكريم هو القول الفصل في مور العقيدة الا انه احتكم الى " أهل الذكر" من علماء أهل الكتاب، فقال " وما أرسلنا من قبلك الا رجالا نوحى اليهم فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون" النحل 42.

بل ان القرآن امر النبى نفسه أن يسأل علماء أهل الكتاب اذا جاءه شك في القرآن ، لأن أهل الكتاب العلماء يعلمون القرآن او الكتاب كما يعرفون ابناءهم ، فقال تعالى " فأن كنت في شك مما انزلنا اليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك" يونس 14 .

واذا كان هذا في أمور العقيدة والدين فهو في أمور السياسة والدنيا اولى أو اكثر ضرورة ، وقد كان المنافقون متخصصين في ترويج الاشاعات واذاعتها خصوصا في اوقات الحرب ، او فيما يخص موضوع الأمن ، والعادة ان تنتشر تلك الاشاعات في مجتمع تحيطه الأخطار ، وكان هناك متخصصون حول النبى في موضوع التخطيط الحربى وادارة فن الصراع مع العرب المشركين حين كانت المدينة جزيرة ايمانية يحيط بها المشركون من كل جانب ، والى جانبها تعيش قبائل اليهود وعلى مشارفها قبائل البدو الأعراب الذين هم أشد كفرا ونفاقا ، وفى داخلهم المنافقون ، ومع ذلك فان المدينة تفتح ابوابها لكل من يأتى اليها يدعى انه مسلم ، ومن الطبيعي ان احتمال التجسس قائم ، والمنافقون في الداخل "طابو خامس" مستعد للتآمر ولا يقل اليهود عنهم حماسا ، ودولة مفتوحة ديمقراطية يحيطها العدو من الداخل والخارج لا يمكن ان تصمد ( بل أن تنتصر) الا بجهاز أمنى دفاعى متيقظ ، ومن أسف اننا لا نعرف شيئا عن ذلك الجهد السري في تأمين الدولة وتأمين حياة النبي وسط كل تلك الظروف . والاشارة الوحيدة الى وجود ذلك الجهاز الأمنى المتيقظ جاءت في قوله تعالى " واذا جاءهم أمر من الأمن والخوف اذاعوا به ، ولو ردوه الى الرسول والى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" النساء 83 .

فالكلام هنا عن المنافقين واشاعاتهم ، والقرآن يدعوهم الى تبليغ الأمر الى المتخصصين أو اولى الأمر الذين هم الأقدر على الاستنباط ، وكلمة " اولى الأمر" جاءت مرتين في القرآن ، وكلمة" الأمر" فيها تعنى الشأن والموضوع ، اى اصحاب الشأن والاختصاص ، وفي الأية السابقة تعنى تحديدا المتخصصين في موضوع الأمن والخوف ، اى اصحاب الحرب وحماية الجبهة الداخلية والخارجية . وجاءت كلمة " أولى الأمر " في قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فاذا تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" النساء 59.

ان المطاع واحد هو الله تعالى في كتابه الذى نزل على رسوله ، وبعد موت النبى فالمتخصصون كل في شأن او امر لهم حق الطاعة في اطار طاعة الله ورسوله ، اى القرآن ، وقد سبق التنبيه على دعوة القرآن لسؤال أهل الذكر ، واذا أفتى أولو الأمر او أهل الذكر بما يستوجب النزاع فلنحتكم الى الكتاب لأن الكتاب هو الرسالة وهو الرسول . والنبى في حياته كان يحكم بالكتاب او بما أنزل الله " المائدة 48،49" وأمره الله تعالى ان يقول " أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا " الأنعام 114 . اى الاحتكام لله تعالى وحده في القرآن .. ويقول تعالى ايضا في الاحتكام الى الله عند الاختلاف والتنازع " وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الى الله " الشورى 10 . وقد استشهدنا بالآيات السابقة لنؤكد ان الأحتكام للرسول يعنى فقط الاحتكام للرسالة او القرآن ولا تعنى تلك الأحاديث المفتراة التى نسبوها للنبى في عصور الاستبداد والظلم. والمهم انه في الأمور التى تستدعى التخصص فالمرجع فيها لأولى الأمر أو أولى الأختصاص ، اما في الامور العامة فهى مطروحة امام المسلمين جميعا في مجالس الشورى .

سادسا : أثر نظام الشورى في تمكين المسلمين :

في البداية نتوقف مع التحديات التى واجهها المجتمع المدنى في عصر الرسول لنتعرف على حجم الأنجاز الذى تحقق للمسلمين بالتمكين في الأرض مع عدم المساس بالحريات الأساسية للمواطنين داخل الدولة حتى لو كانوا من اعدائها المتربصين بها الدوائر . قبل الهجرة للمدينة تعرض المسلمون لأضطهاد شديد اجبرهم على الهجرة مرتين للحبشة ، ثم كانت هجرتهم النهائية للمدينة وأقاموا فيها دولة كانت جزيرة للحرية يتهددها الخطر الداخلى والخارجي ، على ان ذلك الخطر المحيط بالدولة المدنية لم يجعل السلطة فيها تلجأ لأجراء استثنائى واحد ضد المنافقين الذين وصلت مكائدهم ضد الدولة الى درجة التحالف السرى مع العدو في أوقات الحرب والقتال " النساء 141، الحشر 11،12" .

ولكن ذلك التحالف السرى كان في النطاق المسموح به في العمل السياسي اما اذا تعدى ذلك الى محاولة حمل السلاح والقتال ضد الدولة هنا تتحرك الدولة للضرب على ايديهم ، بدليل ذلك التحذير القوى الذي وجهه القرآن للمنافقين حين فكروا في حمل السلاح ضد المؤمنين اثناء حصار الأحزاب للمدينة " الأحزاب 60،61 " وكان ذلك التحذير او الأنذار هو كل الأجراء الموجه للمنافقين ، مع ان الديمقراطيات الحديثة التى نحلم بالوصول اليها لا تتسامح مع الطابور الخامس في وقت الحروب وتسارع بالقضاء على عناصره بمجرد الاشتباه وتتهمهم بالخيانة العظمى .

ونترك المنافقين الذين ادعوا الاسلام وعاشوا ضمن عناصر المجتمع المدنى في المدينة ، ونتوجه الى القبائل اليهودية التى عاشت على اطراف المدينة وارتبطت بها بمعاهدات ما لبثوا ان نقضوها ، وهنا نقرر ان العلاقة بين الدولة المدنية وتلك القبائل كانت في اطار التعامل بين دولتين او مجتمعين ، بدليل ان القرآن الكريم لم يرحب برغبتهم في الاحتكام للنبي وقال تعالى للرسول " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله " المائدة 43 . اذن لهم نظامهم وشريعتهم ، وللمسلمين نظامهم وشريعتهم والعلاقة بين النظامين يحكمها العهد او المعاهدة الموقعة بينهما ، وحدث ان شاركوا المنافقين في التآمر على الدولة ، وحكى القرآن الكثير من تآمر اليهود على النبي والمؤمنين ، واكتفى القرآن بمجرد التوبيخ الا انه عندما وصل الأمر الى حمل السلاح والحرب ونقض العهد السلمي كن الاحتكام للسيف ، وهنا خسر اليهود الجولات الثلاث وأجلاهم النبي عن المدينة ، واتسعت رقعة الدولة المدنية بعد التخلص منهم .ونحن لا نأخذ بالروايات التاريخية عن عصر النبوة اذا تعارضت مع حقائق القرآن الكريم ، اولئك الذين يؤمنون بالروايات التاريخية يعترفون بوجود الإسرائيليات في الأحاديث والتفسير والسيرة . اى ان علماء اليهود دسّوا أكذايبهم في تلك الروايات ، ومن ابرز علماء اليهود في ذلك الشأن عبد الله بن سلام ووهب بن منبه وكعب الأحبار .. وتم تسجيل رواياتهم تسجيلا منظما في العصر العباسي الأول على يد ابن اسحق وابن هشام والواقدى وابن سعد كاتب الواقدى ، واصبح من المعلوم في السيرة النبوية ان النبى طرد يهود المدينة من بنى قينقاع وبنى النضير لسباب واهية ، وان قتل يهود بنى قريظة لتآمرهم مع الأحزاب ، والقارئ المنصف لهذه الروايات اذ صدقها لابد ان يتصور الدولة المدنية للرسول دولة حربية تتوسع على حساب جيرانها وتعاملهم بالسيف والعدوان .

وهذا يتناقض مع حقائق القرآن ، وهو يعيدنا الى التأكيد على فلسفة الجهاد في الدولة الاسلامية المدنية ، وهو موضوع يعطينا ضوءا على التحديات التى واجهت الدولة الاسلامية في عهد النبى عليه السلام ، فالمشركون واصلوا اضطهاد الدولة الاسلامية والمؤمنين بهدف فتنتهم واعادتهم الى الكفر ، وفي ذلك يقول تعالى عن ذلك الاضطهاد أو الفتنة في الدين ، وقد اعتبر القرآن أكبر من القتل ، يقول تعالى " والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم ان استطاعوا " البقرة 217 .

اى انهم استمروا في اضطهاد المؤمنين بعد هجرتهم الى المدينة وتطور هذا الاضطهاد لهم بهدف ارجاعهم قسرا الى دين الآباء والأجداد . ولذلك فأن أول آية بتشريع الأذن للمسلمين بالقتال جاءت فيها حيثيات التشريع ، يقول تعالى " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله " الحج 39،40 . أي ان المشركين أخرجوهم من ديارهم بغير حق لمجرد انهم يقولون ربنا الله. وتستمر الآية الكريمة فتقول " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا " . اى انه لولا ان فرض الله الجهاد بهدف تقرير الحرية الدينية ومنع الاضطهاد في الدين لتهدمت بيوت العبادة من كنائس وبيع ومساجد ومعناه حرص الاسلام على كل بيوت العبادة للنصارى واليهود والمسلمين على السواء ، اى ان هدف الجهاد هو تقرير الحرية الدينية لكل الناس دون اكراه الدين .

ان أوامر القتال في القرآن تحكمها قاعدة تشريعية تؤكد ان القتال للدفاع ورد الاعتداء بمثله " وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين" والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " البقرة 190،194 . والقواعد التشريعية للقتال لها مقصد تشريعي ، هو ان يكون هدف القتال هو ضمان الحرية الدينية ومنع الأكراه في الدين ، اى ان يكون الدين كله لله يحكم في يوم الدين بين الناس فيما هم فيه مختلفون ، يقول تعالى " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين " البقرة 193 . " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فان انتهوا فان الله بما يعملون بصير " الانفال 39 . اى ان هدف القتال في الاسلام هو " حتى لا تكون فتنة " والفتنة هى الاضطهاد الدينى ، او تقرير حرية العبادة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، والا يكون اكراه في الدين " البقرة 256، الكهف 29 .

وبأيجاز فان القتال هو لتأكيد حق الانسان في حرية الاعتقاد وتأمين بيوت العبادة .. ومن خلال هذا الهدف الأسمى كان اقتناع المسلمين بجدوى القتال في سبيل الله ، وبنفس القدر كان حرص المشركين على ملاحقة الدولة الاسلامية الوليدة التى جاءت بمفاهيم جديدة تنذر بتقويض النظام الجاهلى السائد في العالم كله والقائم على الاستبداد واحتكار السلطة والثروة .. في داخل الجزيرة العربية وخارجها . وكان ضغط القوى المشركة شديدا على الدولة الاسلامية المدنية في بداية عهدها ، والمنتظر في بداية توطيد الدولة ان يصادر الحاكم الحريات ليتفرغ لمواجهة الخطار التى تحيق بالدولة والوطن .. الا ان الحال اختلف مع الدولة الاسلامية المدنية حيث يعطينا القرآن الكريم مثلا فريدا ووحيدا في التاريخ الانساني ، حين ارتبط تأسيس الدولة وتوطيدها وصراعها ضد القوى الداخلية والخارجية بتأسيس المجتمع المدنى وضمان الحرية الدينية والسياسية واقامة نظام الشورى ، ومن خلال هذا الخيار الديمقراطي نجح المسلمون والنبى في الاختبار وخرجوا من حالة اضعف الداخلى الى مراحلة الانتصار على الاعداء في الداخل والخارج . وهو على كل حال مثل أعلى لكل مجتمع يتحسس طريقه نحو الديمقراطية ويحاول ان يوازن بين متاعب الديمقراطية واعاصير الأخطار الداخلية والخارجية .

ونعود الى سورة النور اولى ما نزلت من السور في المدنية ، وهى السورة التى ارست دعائم المجتمع المدنى وعلمت العرب المسلمين اصول الاستئذان ووضعت لهم بعض التشريعات الجديدة في الزواج وصيانة الاعراض والأخلاق والزي .. وهى السورة التى نزلت فيها أياتها الأخيرة تحتج على بعض المسلمين سلبيتهم وتكاسلهم عن حضور مجالس الشورى وتحذرهم من تكرار التخلف عن حضور تلك المجالس . وقد اشرنا فيما سبق الى تلك الآيات من قوله تعالى " انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله واذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه " الى آخر السورة .. ويهمنا هنا ان نؤكد على ما سبق بيانه من التحذير من الوقوع في نفس الخطأ في قوله تعالى " فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب أليم" ، وان ذلك العقاب الذي حذرهم الله تعالى منه لم يقع ، اى انهم التزموا منذ بداية استقرارهم في المدينة بالأيجابية في حضور مجالس الشورى فلم يقع العقاب الذي حذر الله منه . بل على العكس حدث لهم الوعد الالهى الذي جاء في نفس السورة سورة النور ، وهو الوعد الخاص بموضوعنا .

يقول تعالى في وعده للمسلمين في بداية عهدهم بالمدينة " وعد الله الذين ىمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ، يعبدوننى لا يشركون بى شيئا " النور 55 . كانوا وقت نزول سورة النور دولة ناشئة تخاف جيرانها من اليهود والمشركين الذين يحيطون بهم من كل جانب ، ثم يخافون المنافقين الذين يعيشون في داخل الدولة وكان للمنافقين اتباع من ضعاف الايمان والذين في قلوبهم مرض " الأحزاب 60 . كانوا كما قال تعالى فيما بعد يذكّرهم بضعفهم " واذكروا اذ انتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون ان يتخطفكم الناس " الانفال 26 .

وقت نزول سورة النور كانوا أقلية مستضعفة تخاف ان يقضى عليها اعداؤهم ويتخطفون فى الارض ، او بتعبير سورة النور في الوعد بتغيير أحوالهم من الخوف الى الأمن " وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا" وواضح ان الوعد هنا جاء بصيغة التأكيد بالاستخلاف في الأرض وبالتمكين وبتبديل الخوف الى أمن وكان الشرط في تحقيق الوعد " يعبدوننى لا يشركون بى شيئا" اى كانت الشورى ضمن شروط الوعد ، فالشورى ذات صلة وثيقة بعقيدة الاسلام ونظام العبادة فيه ، ولذلك كان الحث على الالتزام بها بصورة شديدة في الآيات الأخيرة من سورة النور ، نفس السورة التى جاء فيها الوعد بالتمكين في الأرض ، ليكون ذلك دليلا على ان التمكين في الأرض قرين بتقوية اسس المجتمع المدنى والنظام الشورى وتحقيق لهم الوعد بصورة سريعة ، فبعد نزول سورة النور بعشر سنوات تقريبا كانوا يهزمون اعداءهم في الجزيرة العربية ثم يهزمون الفرس والروم أكبر قوتين عسكريتين في العالم المعروف وقتها ، وقد استطاعوا القضاء النهائى على القوة الشرقية ، دولة الأكاسرة ، ثم تجاوزوها فيما بعد الى حدود الهند ، واستطاعوا في نفس الوقت في الفتوحات الولى الاستيلاء على ممتلكات الروم في الشام ومصر وشمال أفريقيا وطردوا الروم وطاردوهم في آسيا الصغرى داخل حدودهم الأصلية .. وبذلك تحققت اكبر معجزة عسكرية في التاريخ العالمى ، ولا تزال تلك المعجزة تستعصى على تفسيرات الباحثين ، وان كنا نرى انها مرتبطة اساس بتربية المسلمين على اسس جديدة أهمها العقيدة الصافية ونظام الشورى .

والملاحظ ان الفتوحات في الامبراطوريتين الشرقية والغربية حدثت بعد وفاة النبى ، في خلافة ابى بكر وعمر ، اى ان قوة الدفع التى احدثها عصر النبى كانت لا تزال مؤثرة في حركة المسلمين ، صحيح ان النبى كان قد مات ولكن منهجه او سنته الحقيقية كانت تمارس دورها في الحياة اليومية للمؤمنين في عصر الخلافة الراشدين ، وكانت الشورى ضمن هذه السنة الحقيقة للنبى عليه السلام وكان المسلمون في عصر الخلفاء الراشدين يمارسونها بنفس الكيفية التى تعلموها في عصر النبوة ، ومن أسف ان تلك الناحية لم تحظ باهتمام المؤرخين ورواياتهم التاريخية التى دونوها في عصور الاستبداد العباسي ، ولكن رواية افلتت منهذا الحظر وذكرها الطبرى في تاريخه في موضع فتوحات فارس ، اذ يذكر الطبري انه قبل دخول المسلمين في حرب الفرس نادى الخليفة عمر بن الخطاب " الصلاة جامعة" فاجتمع المسلمون في المسجد وانعقد مجلس شورى كل اعضائه من كل المسلمين ، وافتتح عمر المجلس بأن عرض عليهم ما وصل اليه من اخبار وسال الناس ان يشيروا عليه بما يفعل وقال لهم أوجزوا في القول فان هذا اليوم له ما بعده ، وتكلم طلحة ابن عبيد الله فأعلن طاعة المسلمين لما يراه الخليفة ، ولكن عثمان اقترح ارسال جند المسلمين في الشام واليمن الى جبهة فارس وان يقود عمر مسلمى الحجاز ويتولى القيادة العامة للجيوش ، وانتقد عمر هذا الرأى لأن جند المسلمين لو دخلوا الشام واليمن لفقدوا السلطان عليهما واقترح ان يسير ثلث الجيش فقط ويبقى الثلثان ، ورأى على وعبد الرحمن بن عوف ان يبقى الخليفة عمر في المدينة يدبر الأمر ويمد الجيوش بما تحتاج ، ووافق الحاضرون على هذا الرأى بالأجماع ، وسار عليه عمر .

في تلك المجالس الشورى تخرج عظماء من العرب المسلمين مثل ابى بكر وعمر وخالد وابى عبيدة وعلى والمقداد ، وغيرهم كانوا عظماء في الفتوحات وكانوا عظماء في توطيد الفتوحات وفي حكم البلاد المفتوحة ، وهى بلاد تختلف عن بلادهم الاصلية في كل شئ ولكن مدرسة الشورى مكنتهم وهم ابناء الصحراء من حكم بلاد متحضرة مثل مصر والرافدين وايران .

ان عصور الاستبداد هى نفسها عصور التدوين التى حرمتنا من التاريخ لمجالس الشورى للنبى والخلفاء الا في القرآن الكريم وكفى به دليلا ، كما لا نرى نتائج لتلك الشورى الا في تحقيق الوعد الالهى للمسلمين بالاستخلاف والتمكين في الارض ، وذلك دليل لا يمكن ان يجحده ، لأنه جعل العرب والمسلمين جزءا اساسيا في التاريخ العالمى .

سابعا : هل يمكن تطبيق الشورى الاسلامية في عصرنا الراهن :

المحصلة النهائية لما سبق ان تقوية المجتمع المدنى وقيامه على اسس الشورى هى السبيل الأمثل لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية ، ليس بالشعار الاستبدادى المأثور القائل بأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ولكن باستنهاض كل افراد الأمة واخراجهم من السلبية وتحويلهم الى مسئولين ، كل في موقعه ، وحينئذ فلن تستطيع قوة داخلية او خارجية ان تهدد ذلك المجتمع .

وذلك يقودنا الى القضية التالية .. هل المقصود الديمقراطية الغربية القائمة على التمثيل النيابي وحكم النخبة وأهل الحل والعقد بتعبير التراث .. ام بالشورى الاسلامية الأصلية التى لا تعرف التمثيل النيابي وحكم الملأ وأهل الحل والحقد ؟ لقد تاكد لما سبق ان الشورى الاسلامية فريضة كالصلاة ملزمة لكل فرد ولا تقبل الاعذار في المرض او السفر او الحرب او في السلام ، ولا يقبل فيها الاستنابة او ان يحضر احد بدلا عن أحد .

وتأكد مما سبق ان المسلمين هذا النظام الشورى الكامل حقق المسلمون معجزة عسكرية وحضارية .. ولكن يبقى السؤال الهام .. هل يمكن تطبيق الشورى في عصرنا الراهن ؟؟

ان كثرة السكان وانصراف أغلبهم الى امور معاشهم مما يعطي الحجة لأنصار النظم الاستبدادية الصريحة والمقنعة او تلك التى تغطي عورة الاستبداد الطبقى بالتمثيل النيابي وأهل الحل والعقد .

والشورى الاسلامية مجرد ملمح من ملامح المجتمع الاسلامي يعمل باتساق مع العدالة الاجتماعية والرقى الحضارى واعتبار كل فرد فيه مسئولا ومشاركا في بناء المجتمع ، ومن الطبيعي ان الفرد اذا ضمن لنفسه حقوقه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها فلن يتخلف عن المشاركة في كل نواحى النشاط السياسي وغيره ، ولن تكون هناك أكثرية صامتة او سلبية بمثل ما نعانى منه الآن . ويتعلل انصار النظم الاستبدادية الصريحة والملتوية بأن هناك مناطق في السياسة والادارة والامور الحربية لا يعرفها الا المتخصصون ، ولابد من وجود هيئات وكودار لمباشرتها بعيدا عن الشورى التى تستلزم المشاركة الشعبية وابداء الرأى من كل فرد .

وقد سبق ان اوضحنا ان الشورى الاسلامية تسمح بانفراد الخبراء المتخصصين في شئون الحرب وغيرها وان يكونوا مرجعية يؤخذ برأيهم وهم هنا " أولو الأمر" أي اصحاب الشأن او الموضوع المطروح للبحث او اصحاب التخصص فيه ، وطاعتهم في اطار المقاصد التشريعية الكلية للقرآن ، وهى العدل والتيسير والأحسان والمعروف وألا تتعارض طاعتهم مع طاعة الله حيث انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .. وذلك هو المقصود بقوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم " النساء 59 .

وفيما عدا مناطق التخصص فان الشورى الاسلامية تجعل المجتمع كله بافراد جميعا هم أهل الحل والعقد ، وتقدم لهم الاقتراحات او يقدمون الاقتراحات للبت فيها والاقتراع عليها ، ويعززها رأى الخبراء أولى الأمر اذا كان هناك ما يستدعى ذلك .

وقد يتعللون بأن اجراء الشورى بين كل أفراد المجتمع عملية مستحيلة اليوم اذ كيف يمكن توفير المكان المناسب لتجميع الملايين ، واذا كان ذلك ممكنا في المدينة في عصر النبى فهو مستحيل في عصرنا . ونعيد التأكيد هنا على ان الشورى مجرد ملمح من ملامح المجتمع المدنى الاسلامي يعمل باتساق مع الملامح الاخرى الاقتصادية والسياسية والاخلاقية والحضارية . وفيما يخص ذلك الموضوع فان من المستحيل فعلا ان تقوم الشورى الجماعية في دولة مركزية تحتكر عاصمتها كل مقاليد المور وتدير الأقاليم بنظام الحكم المحلى والادارة الفوقية الفردية ، فالرئيس تتركز في يده كل الخطوط وعن طريقه يتم التعيين للمحافظين ورجال الادارة في الاقاليم وكل الوزارات تزدحم وعن طريقه يتم تعيين المحافظين ورجال الادارة في الاقاليم وكل الوزارات تزدحم في العاصمة ومنها تباشر الاشراف الكامل ظاهريا ورسميا- على شئون الاقاليم .

لا يمكن تصور ان تقام آلية الشورى الاسلامية في ذلك النظام المركزى المستبد ، وانما الذي يتناسب الشورى هو النظام المتكامل للادرارة المحلية الذي يصل الى كل قرية وضاحية وحى ، فكل مجتمع صغير يدير شئونه بنفسه ، ويتكون من كل افراده البالغين من الذكور والاناث مجلس الشورى ، وهم الذين يعينون الوظائف الادارية من الخفراء والأمن وباقى الوظائف ، وهم الذين يحاسبونهم ويعزلونهم ، اما الشئون العامة للدولة من العلاقات الخارجية والأمن والحرب فهو مقسوم بين أهل التخصص " أهل الذكر أولو الأمر " وبين المشاركة الشعبية بالرأى او ترسل قرية او كل مجتمع بالرأى الذي ترتضيه في الأمور المطروحة للمشورة الجماعية فيما يخص الوطن كله .

ولا ريب ان التقدم التكنولوجى في وسائل الاتصال والاعلام المرئى وامسموع والمقروء قد الغى المسافات بين الدول وليس فقط بين بلاد الوطن الواحد ، وعليه فان عصرنا الراهن هو انسب العصور للمشاركة الشعبية الكاملة ، حيث أصبح من الصعب اخفاء الحقائق عن الشعب وحيث اصبح من السهولة بمكان معرفة اتجاهات الرأى العام في اسرع وقت ، واذا تدخلت وسائل الاتصال الحديثة في اجراءات الشورى الكاملة لكل ابناء الوطن فسيكون ذلك سهلا وميسورا ومتاحا في نفس الوقت لكل بلد . اذن فالشورى الاسلامية التى لا تقبل التمثيل النيابي هى التى توافق عصرنا الراهن المفتوح ، عصر الفرد العادة وحقوق الانسان الذي لم بعد مكان لشخص او جماعة تدعى انها تفكر بالنيابة عن الاخرين .

وقد يقال اننا نتحدث عن الشورى الاسلامية ، وليس هناك مجتمع كله من المسلمين ، فماذا عن الأخوة الاقباط والنصارى وغير المسلمين من ابناء الوطن ؟ اليس ذلك تجاهلا لهم وتغريبا لهم عن وطنهم ؟

وتقول ان الأمر يحتاج الى تأصيل للمفاهيم الحقيقية للأيمان والاسلام واستقائها من القرآن ، واذا صححنا مفاهيمنا الاسلاسية بالقرآن نجونا من التطرف والأرهاب والتخلف والاستبداد . ان الاصل في كلمة الايمان هو الأمن والى هذا يشير قوله تعالى " الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الأمن وهم مهتدون " الانعام 81 . فالذين ىمنوا بالله " وآمنوا "للناس أى أمنهم الناس " فلم يختلط ايمانهم بظلم لله وللناس اولئك لهم " الأمن" عند الله ، اى الجزاء من جنس العمل ، او ان الايمان من الأمن والأمن من الايمان .

لذلك فالايمان له استعمالان في اللغة العربية والقرآن الكريم ، فكلمة "آمن بـ" أي اعتقد وكلمة "آمن لـ" بمعنى وثق واطمأن وشعر بالأمن ، ان الأغلب على كلمة الأيمان ومشتقاتها ان تأتى بمعنى الاعتقاد ومنها " آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " البقرة 285. لأن تصحيح الاعتقاد هو الهدف الأول للقرآن الكريم .

ومع ذلك فان الاستعمال الثانى لكلمة الايمان بمعنى الأمن والأمان جاء كثيرا في القرآن ، حيث يختفى المعنى بالتعامل بين البشر ، ونأتى ببعض الأمثلة السريعة . في قصة نوح قال له الملأ المتكبرون" انؤمن لك وأتبعك الأرذلون" الشعراء 111. أي كيف نؤمن لله ونثق فيك ونطمئن لك وقد اتبعك الفقراء ؟ .

وفى قصة يوسف قال أخوته لأبيهم " وما انت بمؤمن لنا " يوسف 17 . اى انت لا تثق فينا ولا تطمئن الينا . وقال اليهود " ولا تؤمنوا الا لمن تبع دينكم " آل عمران 73 . أي لا تطمئنوا الا لمن كان على دينكم ، وقال تعالى للمؤمنين عن اليهود " أفتطمعون ان يؤمنوا لكم " البقرة 75 . أي كيف تطمعون ان يثقوا فيكم ويطمئنوا لكم ؟ ونكتفى بهذه الأمثلة .

ان الدين له جانبان ، جانب خاص بالعلاقة بالله تعالى وهو الايمان به وعبادته ، وجانب خاص بالتعامل مع البشر ، وهو عدم الظلم للناس ، او شيوع الأمن والأمان وأن يأمنك الناس ويثقوا فيك ويطمئنوا لك . والذين آمنوا بالقرآن في عصر محمد عليه السلام جمعوا بين الأيمان العقيدي والايمان السلوكي ، واذا كان الأيمان العقيدي قلبيا لا يعلم حقيقته الا الله تعالى فقد كان ايمانهم السلوكي بمعنى الأمن او الاعتداء ظاهرا في تصرفاتهم حيث تحملوا الاضطهاد وكفوا ايديهم ، وبعد ان هاجروا للمدينة كرهو المر بالقتال حين فرضه الله عليهم فقال تعالى " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون " البقرة 216 .

لذلك أمر الله تعالى رسوله بأن يحرضهم على القتال دفاعا عن انفسهم ، فقال تعالى" وحرض المؤمنين عسى الله ان يكف بأس الذين كفروا " النساء 84 . والمهم ان الايمان يعنى الأمن في التعامل مع البشر والاعتقاد والتصديق في التعامل مع الله ، ونزلت آيه تحوى المعنيين معا وتصف النبى بأنه " يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " التوبة 61 . أي يؤمن بالله تعالى ويصدق به ويثق في المؤمنين ويأمن لجانبهم . وعلامة الايمان الظاهرى ان يكون الانسان مأمون الجانب لا يعتدي على أحد ، اما يخص ايمانه الباطن او عقيدته فذلك مرجعه الى الله تعالى علام الغيوب ، وسيحكم فيه يوم القيامة او يوم الدين ، حيث تأجلت الأحكام على عقائد البشر الى ذلك اليوم " قل الله فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون " الزمر46. واذن فكل البشر مؤمنون طالما يعيشون مع بعض في أمن وسلام والذي يخرج عن ذلك ويقتل مؤمنا مسالما فجزاؤه غضب الله عليه ولعنه وعذاب خالد في جهنم " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه وأعد له عذابا عظيما " وهذه الاية حكم عام ينطبق على كل من يقتل انسانا مسالما مأمون الجانب سواء كان القتيل منتسبا للأسلام او المسيحية او اليهودية او البوذية او اللادينية .. لذلك تقول الآية التالية تحدد مفهوم ذلك المؤمن الذي ينبغى الحرص على حقه في الحياة "يا أيها الذين آمنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا " النساء 94،93. أي اذا كانوا في حرب فلابد ان يتبينوا حتى لا يقتلوا بريئا مؤمنا ، وعلامة اليمان ان يلقى السلام اى يكف يده عن الحرب ، وحينئذ يحق دمه ويصير مؤمنا في الظاهر بمجرد القاء السلام ، اما عقيدته فمرجعها الى الله تعالى يوم القيامة .

والاسلام في التعامل مع الله تعالى هو الانقياد المطلق والاستسلام القلبى والفعلى له تعالى وحده " قل ان صلاتى ونسكي ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا أول المسلمين" الانعام 162،163 . اما الاسلام الظاهرى فهو السلام والمسالمة او السلم ، يقول تعالى "يا ايها الذين آمنو ادخلوا في السلم كافة " البقرة 208 ، ولذلك فأن الحرب في الاسلام للدفاع ورد الاعتداء فقط ، وسبق ان اشرنا الى ان الذي يلقى بالسلام يكون مؤمنا ينبغى حقن دمه " ولا تقولن لمن القى اليكم السلام لست مؤمنا "

والحديث يطول ، ولكن نكتفى منه بتقرير حقائق القرآن فى ان الاسلام والايمان في العلاقة بالله هما التصديق والايمان والاستسلام له وحده ، وفي التعامل مع البشر هما الأمن والأمن والسلم والسلام .. والحكم على البشر فيما يخص علاقتهم بالله وعقيدتهم فيه مرجعه الله تعالى يوم القيامة . اما فيما يخص التعامل بيننا فكلنا مسلمون مسالمون مؤمنون مأمونون ىمنون او هكذا ما ينبغى ان يكون ،وان الذي يعتدي على الناس انما يخرج عن بعض الاسلام والايمان مهما رفع من شعارات . وتطبيق حقائق القرآن على اى مجتمع فكل الناس فيه آمنون مؤمنون مسلمون مسالمون بغض النظر عن عقائدهم طالما يتمسكون بالأمن والسلام ، ولا يلجأون للحرب الا للدفاع عن انفسهم ضد المعتدين من المجرمين في الدفاع او الغزاة من الخارج .

وبتطبيق هذه الحقائق القرآنية على المجتمع المصرى بالذات فان أرض مصر دار امن وسلام وأيمان واسلام ، واهلها اشهر الناس بايثار السلام والسلامة ، فهم مسلمون مؤمنون بغض النظر عن عقائدهم وتصنيفاتهم الدينية .. ان مصر هى المكان الوحيد في الأرض بعد المسجد الحرام الذى وصفه رب العزة بالأمن ، وقد جاء ذلك في قصة يوسف حين استقبل اياه يعقوب وأخوته وقال لهم "ادخلوا مصران شاء الله آمنين" الحجر 46.

والذي يخرج عن هذه الحقائق القرآنية فيقتل الآمنين المسالمين اى المؤمنين المسلمين من المصريين المسلمين والأقباط انما هو خارج عن دين الله تعالى ومستحق للعذاب واللعنة طبقا لمنطوق الآية(93) في سورة النساء ، سواء كان المقتول يحمل اسما اسلاميا او اسما قبطيا .

وطبقالحقائق القرآن السابقة فأهل مصر مسلمون مؤمنون ينطبق عليهم تشريع المشورة الاسلامية وليست غريبة عليهم وهم احق بها ، وكل المصريين تحت جناحها سواء ، وليس هناك أغلبية واقلية وانما هم جميعا امة واحدة تعيش في أمن وسلام في اقدم وطن واحد ، وينبغى ان يتكاتفوا جميعا ضد من يعتدي على امنهم وسلامهم تحت اى ادعاء . واذا كان بعضهم يرى ان كلمة "قبطي" تعنى"مصرى" سواء كان مسلما او مسيحيا فاننا نرى من واقع الحقائق القرآنية ان كل مصرى هو مؤمن مسلم طالما لا يرفع السلاح في وجه أخيه وطالما سلم الناس من أذاه ، ويكفي ان القرآن اكد في عشرات الآيات ان اختلاف العقائد والمذاهب حتى في اطار الدين الواحد مرجعه الى الله تعالى يوم القيامة ولا شأن لنا نحن بذلك " البقرة 113-يونس124-آل عمران 55- المائدة 48- الزمر 3" وتلك مجرد امثلة . بل أن حقائق القرآن تؤكد ان اختلاف العقائد يدعو الى حسن الصفح والغفران وليس للبغضاء والحقد ."الحجر 85- الزخرف 88،89" .

وفى النهاية فان اسس المجتمع المدنى في القرآن لا تنحصر في الشورى الكاملة التى يمارسها كل افراد المجتمع دينية وانما تشمل الى جانب ذلك سماحة دينية وعدالة اجتماعية اقتصادية ورعاية لكل بيوت العبادة ، وحرصا على الدفاع عن كل تلك القيم الحضارية ضد أى معتد من الداخل او الخارج ، وتكاتفا بين ابناء المجتمع يصل م الى الصدارة على مستوى العالم والى درجة انعدام السلبية في الداخل . ومن الطبيعي ان المجتمع المدنى القرآنى يرفض الحكم الطبقى المستتر خلف شعارات التمثيل النيابي او الديمقراطية المنقوصة التى تعبر عن اصحاب الثروات الذين يفكرون بالنيابة عن المجتمع في الظاهر ويفكرون في مصالحهم الخاصة في الحقيقة .

حين قام المجتمع المدنى في المدينة كانت العصور الوسطي تعتنق الاستبداد الديني السياسي ، وكانت دولة النبى بهذه المفاهيم الشورية خارجة عن ايقاع العصر السياسي والاجتماعى والاقتصادي ، لذا كان سهلا بعد ان وصل المسلمون الى الشام والعراق ومصر وفارس وورثوا كنوزهم ان يتأثروا بنبض العصر فضاعت الشورى واندثر المجتمع المدنى وحل محل الخلافة الراشدة الملك الوراثى العضوض القائم على القهر والقوة واحتكار الثروة ، وكان الخليفة الأموى يحكم بمعرفة أهل الحل والعقد من شيوخ القبائل ، ثم جاء الخليفة العباسي يحكم بمعونة ملأ جديد من كبار القادة وشيوخ بنى هاشم العباسيين وكان الملأ- أو اهل الحل والعقد يفكرون فيما يرضى الخليفة بنفس ما كان يفعل ملأ فرعون موسى ، ثم جاءت الخلافة الفاطمية بمفهوم النص الألهى على اختيار الخليفة فأصبح الخليفة الفاطمى معصوما من الخطأ لا يحتاج الى ملأ يفكر له ، بل هو طبقا للعقيدة الشيعية يعلم التفسير الالهى والعلم اللدنى والغيب الالهة ، وقراراته معصومة عن الخطأ .. وتاريخ الخلافة غير الراشدة- عند المسلمين لا يختلف عن تاريخ الاستبداد في القرون الوسطي ، فكل الحكام كانوا يحكمون بالحق الالهى المقدس سواء كان ذلك الحاكم خليفة عباسيا او فاطميا او امبراطورا للدولة الرومانية المقدسة او ملكا انجليزيا او فرنسيا . ثم افسحت الطبقة البرجوازية " المتوسطة" لنفسها مكانا تحت شمس اوروبا على حساب الأكليروس الأوربي " الملك والكهنة والأمراء والنبلاء"..

وقادت الصراع للحصول على الدستور الذى تقضب به على استبداد النظام القديم ، وخدعت البرجوازية جماهير الفلاحين والعمال بمقولة الانتخاب والتمثيل النيابي لتكرر بها نفس مقولة أهل الحل والعقد ، ولتكون هى نفسها في موقع الصدارة بعد ازاحة النظم القديمة ، وساعدها في ذلك دخول العالم في عصر المكتشفات الجغرافية والاستعمار والبحار والصناعات والتجارة العالمية والتقدم العلمي ، وفي ذلك العصر تحولت البرجوازية الى رأسمالية دولية وشركات عالمية أصبحت الآن" شركات متعددة الجنسية تحكم العالم في النظام العالمى الجديد ، بعد اضمحلال الاتحاد السوفيتي والعالم الشيوعى .

وفي هذا النظام العالمى الجديد اصبحت الرأسمالية تتحكم في الثروات القومية وفي ادوات الاتصال أي اصبحت تسيطر على المعدة والمخ والسمع والبصر ، واصبح نظام الرأسمالية الديمقراطي النيابي هو المثل الأعلى والحلم الذى يتطلع اليه مثقفو العالم الثالث الذين يعانون من استبداد الحكم العسكرى او الحزبى او الديني . بينما تختلف النظرة الواقعية عن تلك الصورة الوردية التى ترسمها الدعاية الغربية الرأسمالية لنظامها الديمقراطي ، فهى تلهى الجماهير بتمثيلية الأنتخاب التى تأتى برئيس يعبر عن النخبة الحاكمة التى تتحكم في الثروة ، ولا يستطيع الرئيس المنتخب ديمقراطيا ان يخرح عن النص والا تمت تصفيته كما حدث لرؤساء امريكين مثل ليكولن وجون كيندي .

ان الذي يملك الثروة هو الذي يحكم ، والفقير الذي ليس في بيته دقيق وخبز ليس لديه متسع للتفكير في الشورى او حال الأمة والمجتمع ، والقرآن الكريم كما فرض الشورى على كل مؤمن فأنه حارب قيام طبقة مترفة تتداول الثروة وتتحكم فيها ، فاحتوي القرآن على مبادئ اقتصادية تتيح توزيعا عادلا للثورة وتمنع تركزها في يد فئة قليلة وكان من مقاصد القرآن التشريعية للثروة والمال" كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" الحشر 7.

اى حتى لا يحتكر الاغنياء الثروة فيتكون منهم ملأ فرعون يزعم انه يملك الأرض ومن عليها . ان الاستبداد السياسي لا يمكن ان يوجد مع عدالة اجتماعية ، انما يمكن ان يوجد شكل من أشكال الخداع تقوم فيه الطبقات المترفة الحاكمة بغسيل مخ الفقراء الأكثرية بأن تلهيهم بمواكب الأنتخاب والتمثيل النيابي باعتباره الطريق الأوحد للوصول للحكم او تغيير الواقع الكئيب ، وتضيع اجيال " في انتظار جودو" او المهدى المنتظر، دون جدوى ، والنتيجة ان ينجح عملاء مترفين وبأموال الطبقات الثرية التى تتحكم في الاعلام والموارد وتقوم بتكلفة الحملات الأنتخابية وتبيع صورة وهمية للمرشح وتنفق على غسيل مخ للجماهخير حتى يصل احد المرشحين من المرشحين الذين تقدمهم الطبقات المترفة ، ويظل الحكم تديره تلك الطبقات الثرية من خلال الانتخاب والتمثيل النيابي ويمنعون كل "دخيل" من الاقتراب من دائرة الصفوة ، وحتى لو وصل من بين الكادحين شاب متحمس الى بعض تلك المجالس النيابية فسيضيع صوته بين ضجيج الأغلبية المتحكمة والمتآمرة ، واذا علا صوته وأصبح مؤثرا استطاعوا شراءه وابعاده عن قواعد الشعبية او استطاعوا تصفية ماديا او معنويا ، ويبقى الحال على ما هو عليه ، ظلم اجتماعي تستر عورته نظم سياسية خادعة ترفع لواء التمثيل النيابي ، والنتيجة اجهاض لكل أمل المطحونين في مكان تحت الشمس .. ويستمر النظام الديمقراطي الحر عنوانا براقا للحالمين من مثقفي العالم الثالث . وأحوال العالم الثالث اسوأ ، فالنخبة العسكرية او الحزبية تحكم وتعمل ضدها نخبة دينية ، وكل ثورة تأتى للحكم لا تلبث ان تحوز على الثروة ويظل الفقراء كما هم في حرمانهم وسلبيتهم ، والثوار من كل اتجاه ديني او حزبى او عسكرى يتاجرون بمتاعبهم ويرفعون شعارات براقة للاستهلاك المحلى وعيونهم في الواقع على الثروة والسلطة .