![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
د0 احمد صبحي منصور
من التاريخ المسكوت عنه
1-نحن الان في عصر السلطان قايتباي الذي حكم مصر والشام في الربع الاخير من القرن التاسع الهجري ،وننقل ما كتبه عن عصره القاضي المؤرخ ابن الصيرفي في كتابه انباء الهصر بابناء العصر.
وكان المؤرخ ابن الصيرفي يعمل قاضيا حنفيا في دولة السلطان قايتباي ،وملأ كتابه نفاقا للسلطان يقول عنه (وفي الواقع فسلطان مصر الملك الاشرف ابو النصر قايتباي نصره الله سلطان عظيم شجاع فارس معدود من الفرسان ،ديّن (أي متدين )عفيف الفرج لا يلوط ولا يزني ولا يسكر ،وله ورد في الليل من صلاة وقيام )
أي ان السلطان المملوكي قايتباي امتاز عن غيره من المماليك السلاطين والامراء بالعفة بحيث لا يقع في الزنى او الشذوذ الجنسي ،بل انه متدين يقوم الليل يقرأ الاوراد الصوفية ويصلي .وبالتالي كانت الشريعة الاسلامية المطبقة في العصر المملوكي علي افضل تطبيق لها في زمن السلطان المتدين قايتباي ،خصوصا وان السلطان قايتباي المتدين كان يختار اعوانه من الامراء المماليك المتدينين ..ومن المنتظر ان يراعي السلطان وامراؤه احوال الشعب المصري خصوصا في تطبيقهم للشريعة الاسلامية الغراء فهل كان يحدث ذلك ؟
تعالو بنا نلجأ الي نفس المؤرخ ابن الصيرفي في كتابه انباء الهصر بأبناء العصرلنتعرف بعض احوال السلطان الورع قايتباي الذي كان يصادر اموال الاحياء بالاضافة الي اموال اليتامي والارامل ..
في يوم الاربعاء 17/رجب /876 هـ امر السلطان بمصادرة ممتلكات ابن زوين الكاشف والي الغربية، ويقول في ذلك مؤرخنا(وارسل السلطان الي الغربية بالحوطة علي موجود ( أي ممتلكات)ابن زوين الكاشف بها، من صامت وناطق(أي جواهر واموال ومواشي وخيول) احضروه فأخذ احسنه ورد عليه اخسه) وبعضهم كان يحتال لاخفاء امواله او النفيس منها حتي لا تضيع كلها في المصادرة اذا حصلت، وكان السلطان يلعب معهم في نفس اللعبة فيحتال للحصول على كل الأمول الظاهرة والخفية ؛فقد امر السلطان باعتقال عبد كان للاستادار زين الدين، كما امر باعتقال سكرتيره عبد الوهاب وباعتقال جاريته قمر، وكان السبب في اعتقال الثلاثة هو ارغامهم ليدلّوا علي الاموال المخبأة عند زين الدين الاستادار، وظل الجميع في السجن عدة اشهر حتي تم اطلاقهم في عيد الفطر 876 هـ.
وقد ترتبط المصادرة للمال بالمصادرة للحرية أي السجن .في يوم الثلاثاء 21/جمادى الاول /876 امر السلطان بالقبض علي صيرفي جدة واسمه ابن عبد الرحمن وامر بأن يؤخذ منه عشرون الف دينار، والسبب في سجن الصيرفي المسكين ان السلطان اراد اقتراض عشرة الاف دينار من احدي السيدات كانت اما لاستاذ المحتسب وشاهين والي جدة ،وقد طلب السلطان من المحتسب وشاهين والي جدة التوسط لدي السيدة ليقترض منها العشرة الاف، ولكن السيدة اعتذرت واظهرت العجز والفقر، فغضب السلطان وامر باعتقال صيرفي جدة ،وطلبه في خلوة ليعرف منه اسرار ومدخرات والي جدة، ولما لم يحصل منه علي طائل صادر منه عشرين الف دينار. وابن الصيرفي بعد ان ذكر الحكاية قال يدافع عن السلطان (وفي الواقع فهذا السلطان اخر الملوك العادلة ،فإنه خول المحتسب وشاهين في البلاد المصرية و الحجازية ..( !!
ولم يقنع السلطان باعتقال صيرفي جدة ،فقد جاءته معلومات بأن المحتسب وزوجته وشاهين نائب جدة وام استاذهم الصاحب جمال الدين قد وضعوا ايديهم علي جواهر واموال وتقاسموها، فهدد السلطان الموظفين الاخرين الذين لهم اتصال بالموضوع ،وهدد السيدة فأرسلت الي السلطان خمسة الاف دينار فردها اليها، وحدث الجفاء بين السلطان والمحتسب يشبك الجمالي بسبب ذلك بسبب ذلك وقد عرضنا لحمق وظلم وتدين ذلك المحتسب في الحلقة السابقة.
وقد ترتبط المصادرة للاموال بتعذيب الضحية حتي يعترف بما لديه من كنوز مخبأة، وربما كان الامير يحيى بن عبد الرزاق الاستادار ت 874 افظع مثل للضحايا من كبار الموظفين، فقد صودرت امواله اكثر من مرة ،وتولي الاستادارية مرات، وحين يعزلونه ويولون غيره يعجز فيطلبونه للوظيفة، وعندما يعزلونه يصادرون امواله ويعذبونه ،يقول عنه مؤرخنا ابن الصيرفي (اذكر من لفظه-أي من حديثه لابن الصيرفي- انه صودر تسع عشر مرة، واحتاج حتي باع حوائج بيته وقماش خيوله بعد بيع املاكه، واستمر علي ذلك الي ان صادره الملك الاشرف ابو النصر قايتباي عز نصره، اول مره وثانية ،وهو معذور فيه، فانه يدعي فقرا ..)
ان قايتباي صادر ذلك الشيخ الفقير بعد ان بلغ الثمانين من عمره وبعد ان استهلكته المصادرات السابقة، ولم يترفق به قايتباي في هذه السن ولافي هذا الفقر بل اوقع عليه العذاب الشديد حتي مات .ويقول ابن الصيرفي عن حبسه وتعذيبه حين صادر السلطان قايتباي امواله للمرة الثانية (وفي الثانية حبسه بالبرج من القلعة وطلب المال فلم يوزن –أي يدفع – شيئا ،فأجرى عليه العقوبة الي ان اشرف علي التلف –أي الموت – وحمل الي البرج المذكور، فدام عليلا يتداوي الي ان مات في يوم الخميس ثامن من شهر ربيع الاول وقد جاوز الثمانين من العمر )ويقول ابن الصيرفي عن نهايته تحت التعذيب (وضرب ضربا فظيعا حتي طار لحم جسده عن بدنه، ونزلوا به من القلعة في تابوت وعلي رأسه طاقية كشف، وتوجهوا به الي منزله وغسلوه وكفنوه وصلوا عليه )
وابن الصيرفي يجد العذر للسلطان قايتباي في مصادرته لهذا الشيخ وتعذيبه يقول (..الي ان صادره الملك الاشرف ابو النصر قايتباي عز نصره اول مرة وثانيه وهو معذور فيه فانه يدعي فقرا )
وواضح ان العزل كان يرتبط بالمصادرة لأموال المعزول مثل ارتباط المصادرة احيانا بتعذيب الضحية ،ورأينا ذلك في قصة او مأساة يحيى ابن عبد الرزاق الاستادار الذي بلغ اوج الرفعة ثم نزل الي حضيض السجن والاعتقال مرات متتالية ولم يكن هو المثل الوحيد ..
وفي يوم السبت 13/ربيع الاول 873 غضب السلطان قايتباي علي قاضي قضاة دمشق ابن الصابوني، وضربه بين يديه بقاعة الدهيشة بالقلعة لأنه لم يدفع للسلطان المال الذي طلبه منه وهو مائة الف دينار، ولم يزل يضربه حتي اذعن فحملوه الي الحبس ليدبر امره في الدفع ،وفي يوم الثلاثاء 14 ربيع الثاني 873 سافر القاضي ابن الصابوني الي دمشق بعد عزله ومصادرته وحبسه بعد ان التزم للسلطان بدفع المائة الف دينار، وسافر معه السيفي جانبك الخاصكي ليحرسه ويرافقه حتي يسدد ما التزم به .
وفي يوم السبت 15 جمادى الثاني 873 امر السلطان باعتقال ابن العيني بالبرج في القلعة بسبب ما تأخر عليه من المال، وظل محبوسا بذلك البرج الي يوم الاربعاء 19 جمادى الثانية، ثم اطلقة السلطان بعد ان حمل المال ،فأكرمه السلطان والبسه التشريفة ورجع لداره مكرما معظما .
وفي شوال 876 تولي الحافظ القطب الخضيري قضاء القضاة بدمشق وكتابة السر بها بعد ان قاسي اهوالا من التعذيب ،وقرر عليه السلطان ثلاثين الف دينار فدفع بعضها والتزم بدفع الباقي واعاده السلطان للولاية بعد ما فرضه عليه ،واكرمه السلطان فأنزله ضيفا في داره التي كان بها حين كان اميرا، وزاره السلطان في تلك الدار فوجده نائما فما اراد ايقاظه، وحين استيقظ وعلم بزيارة السلطان اليه وهو نائم ارسل هدية للسلطان فلم يقبلها السلطان، واخبره انه ما حضر الا ليزوره ،وهكذا تغير حال السلطان من التعذيب الي الاكرام بعد ان دفع له المال !!
وقد سبق للسلطان في شهر رجب من نفس العام ان اصدر مرسوما للشام باعادة القاضي الحنفي اليها عوضا عن القاضي الحلاوي المعزول عن القضاء ،وامر بأن يدفع عشرة الاف دينار فأن امتنع فلابد من ارساله مسجونا للقلعة فأذعن ،وارسل السلطان بالكشف عن اموال القطب الخضيري قاضي القضاة بدمشق وكاتب السر بها ومصادرة ما لديه، فلم يوجدلديه شئ، وعزم علي القبض عليه وارساله الي القلعة لكنه اختفى وحضر للقاهرة سرا ،وكان من امره ان قبض عليه السلطان ولاقي اهوالا ،عاد بعدها لمنصبه مكرما ..
لذا كان خوف موظفي السلطان عظيما حين يستدعيهم للحساب . وكان خوفهم اعظم حين يعزلهم عن الوظيفة ،وقد هرب القاضي تاج الدين ابن المقسي ناظر الاملاك السلطانية (ناطر الخاص )والسبب ان السلطان عزله فبادر بالهرب خوفا من المصادره والتعذيب، وقد عين السلطان بدلا منه ابن الكويز في يوم الخميس 12 /شعبان 874 .
وفي يوم الاثنين 9/ربيع الاخر في نفس العام 874 مات القاضي عبد الرحيم ابن البرزي ،مات خوفا من السلطان!! ،فقد جاء من الشام وارسل هدية للسلطان، فردها السلطان عليه غاضبا وبلغه ان السلطان توعده قائلا (عند من يهرب مني ؟هذا هو وقع في القفص )!! واشتد مرضه بالصرع، فمات ..!!
مات خوفا ..مات خوفا من السلطان المتدين الذي كان يطبق الشريعة ولا يزال مسجد السلطان قايتباي مرسوما علي الجنية المصري .