![]() |
|
الخليفة الناصر لدين الله
سبعة واربعون عاما من التفاهة
كان مولد احمد ابن الخليفة المستضئ بأمر الله يم الاثنين عاشر رجب سنة 553 هـ وبويع للخلافة تحت لقب الناصر لدين الله في مستهل ذي القعدة 575 هـ وهو في الثانية والعشرين من عمره، وعلي خلاف اسلافه من العباسيين الذين كانوا في الاغلب يموتون في الشباب فأن الخليفة الناصر مات في السبعين من عمره ،بعد ان حكم سبعا واربعين عاما من التفاهة ،حيث مات يوم الاحد آخر ليلة من رمضان 623 هـ ،وحيث قد اسهم حكمه الطويل للدولة العباسية في اعدادها للسقوط ،وذلك بعد 33 عاما فقط امام المغول 656هـ ..
ومن الممكن ان يقال ان الدولة العباسية كانت قد وصلت الي الشيخوخة ولو افترضنا ان الناصر لدين الله في حكمه الطويل فعل لها كا ما يستطيع فأن موت الدولة العجوز من الامور الحتمية خصوصا امام قوة شابة كالمغول ..
ولكننا نقول ان الدولة العباسية قد استوعبت في كيانها السياسي وفي كيانها الروحي (أي الخلافة العباسية ) كل القوي العسكرية الغازية الاتية من الشرق ،فجعلتهم قوي عباسية ،اعادت انتاجهم واقلمتهم ليحكموا داخل الدولة وخارجها باسمها ،فعلوا ذلك مع البويهيين وهم شيعة وفعلوا ذلك مع السلاجقة وكلهم قوة حربية اتت من الشرق لتتوسع غربا علي حساب الدولة العباسية الضعيفة في المكانة السياسية والقوية بخلافتها الروحية ،وكان من الممكن ان يحدث نفس الشئ مع المغول ،بحيث يجري لهم ما جري للبويهيين ،والسلاجقة ،لولا تفاهة الخليفة الناصر في حكمه الطويل والذي اسهم في اضافة الكثير من التجاعيد في وجه الدولة ،مما عجل بسقوطها ،ولولا ايضا حمق حفيده المستعصم الذي غلب جده في التفاهة ..ولا ننسي ان المغول بعد سقوط بغداد اسلموا وتأقلموا في المنطقة مثل سابقيهم ..
ومن الممكن ان يقال ان الدولة العباسية في عصر الناصر كانت قد وصلت ظروفها السياسية الي درجة من السوء بحيث جعلت عملية اصلاحها مستحيلة مهما حاول الناصر في حكمه الطويل لها ..
ولكننا نقول ان ظروف الدولة العباسية في عصر الناصر قد تجمعت كلها تسعي الي الناصر ليقوم بالاصلاح والنهوض واتخاذ اسباب القوة ،ولكنه هو الذي اضاع تلك الفرص النادرة ولم يستفد بها خلال حكمه الطويل الذي لم يتيسر لأي خليفة عباسي في الدولة العباسية ..فما هي هذه الظروف المواتية للنهوض والتي اضاعها الخليفة الناصر :
ففي عهده انحصر نفوذ السلاجقة بتوالي ضعفهم الي ان مات اخر ملوكهم سنة 590 في خلافة الناصر وهو السلطان طغرلبك شاة بن ارسلان بن طغرلبك بن محمد بن ملكشاه .وكان السلاجقة يسيطرون علي معظم البلاد العباسية في الشرق والشمال ،مع تبعيتهم الاسمية للخلافة العباسية .وبموت اخر ملوكهم عادت ممالك السلاجقة الي التبعية الفعلية للدولة العباسية ،وتحرر الخليفة من نفوذهم وسلطتهم وهو ما كان يتوق اليه اسلافه العباسيون ،وكسب الناصر ذلك بدون مجهود يذكر .
وفي عهد الناصر خفتت ثورات الشارع العباسي التي كان يتزعمها المثقفون من الفقهاء واصحاب الحديث والادباء والكتاب ،وينضم اليهم العوام ،وقد حدث التلاحم بين العوام والمثقفين كثيرا في التاريخ العباسي ،وظهر في فتنة الامين والمأمون ،وفي فتنة الحنابلة وحركة احمد بن نصر الخزاعي في خلافة الواثق ،واستمرت اضطرابات الحنابلة الي ان انضم اليهم الخليفة المتوكل تحت شعار (نصرة السنة ) ثم اضمحلت قوة الحنابلة وورثها شيوخ من العوام تحت اسماء العيارين والشطار ،ثم قام نظام الفتوة بوراثة العيارين والشطار في اطار حركات منظمة للفتيان لها طقوسها وآدابها ونشاطها شبه العسكري وسلاسلها وسراويلها ونقباؤها وشيوخها وشبابها ،وكانت حركة شعبية انتشرت في العراق والشرق واسيا الصغري ،وتمكن الناصر من السيطرة علي هذه الحركة حين اخذ الفتوة من شيخها البغدادي عبد الجبار بن يوسف بن صالح سنة 578 هـ بعد ثلاث سنوات من توليه الخلافة ،فأخمد حركات المعارضة في الشارع العباسي وكان من الممكن له ان يستخدم حركة الفتوة كعنصر قوة للدولة ،ولكنه استخدمها في التجسس في عمليات بالغة التفاهة ..سنذكر بعضها فيما بعد .
وجاء الناصر للحكم وقد اندثرت الدولة الفاطمية الشيعية في مصر ،والتي وصل نفوذها الي تهديد العباسيين في بغداد نفسها في حركة البساسيري من قبل ،ثم اضمحلت الدولة الفاطمية ومات العاضد اخر خلفائها وحل محله السلطان صلاح الدين الايوبي التابع –اسميا – للخلافة العباسية والذي تلقب ايضا بلقب الناصر صلاح الدين ،وحين تولي الناصر لدين الله العباسي الخلافة ،كان صلاح الدين الايوبي في اوج عظمته وجهاده ضد الفرنجة والصليبيين ،وكان من مصلحة الحليفين العمل معا ضد الصليبيين ،وهذا بالقطع ما كان يتمناه صلاح الدين الايوبي في انتصاراته وهزائمه مع الصليبيين وغيرهم ،ولكن الخليفة انشغل عن هذا كله ومات صلاح الدين سنة 589 وضاعت فرصة التحالف بينهما ،وضاعت فرصة التحالف بينه وبين السلطان العادل الايوبي الذي خلف اخاه صلاح الدين في قوته وسيطرته وفي ولائه للخلافة العباسية ،وضاعت نفس الفرصة مع ابناء العادل الايوبي ،وخصوصا الملك الكامل صاحب مصر .
باختصار اندثر السلاجقة والفاطميون واصبحت اكثر قوة اسلامية مع الناصر لدين الله العباسي وليست ضده ،وتتطلع للتحالف معه ،ويستوي في ذلك الايوبيين والجماهير التي انتظمت في تشكيلات شبه مسلحه (الفتوة والفتيان) وكانت معركة الخلود وفرصة المجد امام الخليفة ماثلة امامه تدعوه طيلة حكمه للمشاركة والقياد ،ولكنه اعرض عنها اكتفاءا بتفاهاته وظلمه ،ونقصد بها الجهاد ضد الصليبيين والذي لم يشارك فيه الخليفة الناصر مطلقا ،لافي انتصارات المسلمين ولا في مساعدتهم وقت المحنة والانكسار .
باختصار اكثر كان المسرح معدا للخليفة العباسي الناصر لكي يقوم بالدور المأمول منه للنهوض بدولته وامته ولم يكن ينقصه الا ان يقوم بالدور العادي المطلوب بدون عبقرية او عمل خارق ،فقط يقوم بتولي القيادة باعتباره الخليفة السني الوحيد للعالم الاسلامي ،وباعتباره الخليفة التي تخطب المنابر باسمه ويحكم السلاطين بأسمه ،واخيرا باعتباره اكثر الخلفاء بقاءا في الحكم.. .. ولكنه اضاع ذلك كله .
ونأتي للسؤال الاهم ..اذا ماذا كان يفعل الخليفة في حكمه الطويل ؟وبماذا اشتهر طالما افتقده عصره في اهم ملامح تاريخنا في الصراع مع الصليبيين؟ وفي وقت فراغه الطويل انشغل الخليفة الناصر بالظلم والهوايات الغريبة ،مثل التجسس ورمي البندق واللعب بالحمام الزاجل .
1-عن الظلم يقول عنه المؤرخ ابن الاثير في تاريخه الكامل (كان الناصر سئ السمعة، خربت في ايامه العراق، مما احدثه من الرسوم واخذ املاكهم واموالهم ،وكان يفعل الشئ وضده ،وكان يرمي بالبندق ويغوي الحمام ) وجدير بالذكر ان المؤرخ ابن الاثير كان معاصرا للخليفة الناصر وقد عاش بعده مما شجعه علي ان يكتب ما يشاء بعد موته .
واختلف الحال مع المؤرخ ابن الجوزي الذي كان في شيخوخته عندما تولي الخليفة الناصر الحكم ،وحين ادرك المؤرخ العجوز جبروت الخليفة الشاب كف عن التأريخ ،وانهي كتابه الهام في التاريخ ،وهو كتاب (تاريخ المنتظم ) بنهاية الخليفة المستضئ ،او بمعني اصح سنة 574 هـ قبيل موت المستضئ ،وفي عهد الخليفة المستضئ والد الناصر كان ابن الجوزي في اوج شهرته كأعظم علماء عصره في الحديث والتاريخ والفقه والوعظ ،وحيث انه في تاريخه في السنوات الاخيره من تاريخ المنتظم كان يشير الي مجالس وعظه وتوليه المناصب بعناية العباسيين ،وانتهي ذلك كله بمجئ الناصر وظلمه ،ومات ابن الجوزى سنة 597 هـ في خلافة الناصر بعد ان قاسي منه الامرين ويذكر ابن كثير في تاريخ (البداية والنهاية )في ترجمة ابن الجوزي ان ابي الجوزي في مجلس وعظه الذي كان يحضره الخليفة المستضئ ،قال للخليفة امام الملأ(يا امير المؤمنين إن تكلمت خفت منك وان سكت حفت عليك ،وان قول القائل لك اتق الله خير لكم من قوله لكم ..انكم اهل بيت مغفور لكم ،وظل يعظه الي ان ابكاه وجعله يتصدق بمال كثير ويكسي الفقراء ويطلق المساجين ..)
فلما جاء الناصر اخاف ابن الجوزي وقد سأل ابن الجوزي بحضرته عن افضل الناس بعد الرسول صلي الله عليه وسلم ،فقال (افضلهم بعده من كانت ابنته تحته)،وقالها هكذا حتي تنطبق علي ابي بكر وعلي معا ،حيث لم يكن يجرأ علي التصريح بأي منهما خوفا من الخليفة ،اذ كان الخليفة الناصر يتشيع علي مذهب الامامية بخلاف المذهب الرسمي للدولة ،وربما ادرك ابن الجوزي ان الخليفة الناصر يتصيد له الاخطاء ،فتهرب من هذه الاجابة ،الا ان ذلك لم يعصمه من اضطهاد الخليفة حيث نفاه الخليفة الي واسط ،وظل فيها خمس سنين قاسي فيها الكثير ،وكان وقتها في الثمانين من عمره ،ثم عفا عنه فعاد الي بغداد قبيل موته بعام ،فاذا كان يفعل ذلك مع اكبر علماء عصره واشهرهم وفي هذه السن المتأخرة فكيف بالاخرين من العوام ؟؟لذلك لا نتعجب من هجرة اهل العراق وتركهم ممتلكاتهم للخليفة بعد ان شاء امر ظلمه .
2- اما في التجسس فقد كان فيه باع كبير ،ولا ريب انه استخدم فيه جماعات الفتوة وتنظيماتها ،الا ان استخدام التجسس هنا كان لأهداف تافهة، الغرض منها الدعاية للخليفة وقدرته علي كشف الغيوب والاسرار والتلاعب بالناس ،ولم يحدث ان توجهت هذه القدرة الفائقة علي التجسس الي حرب الفرنجة لمساعدة المسلمين ،وقال عنه الذهبي (اصحاب اخباره في اقطار البلاد يوصلون اليه احوال الملوك الظاهرة والباطنة ،وكانت له حيل لطيفة ومكائد غامضة ،وخدع لا يفطن اليها احد ،يوقع الصداقة بين الملوك المتعادين وهم لا يشعرون ،ويوقع العداوة بين الملوك المتفقين وهم لا يفطنون ) وحكي الذهبي من ذلك اعاجيب منها ان رسول مازندران اختلي بأمرأة دخلت اليه سرا ،فجاءت اليه ورقة تصف كل شئ .وجاء رسول من الخوارزمي شاه برسالة مختومة فعرفوه بمحتوي الرسالة فرجع ،وجاءه رجل من الهند ببغاء تقرأ (قل هو الله احد )فماتت منه في الطريق ،فجاءت اليه رسل الخليفة الناصر تخبره بأنه عرف قصته منذ خرج من بلاده وتعطيه الجائزة ،واشياء كثيرة من هذا القبيل ،حتي قيل انه كان له اتباع من الجن يخبروه .
وقال عنه ابن واصل (كان له اصحاب اخبار في العراق وسائر الاطراف يطالعونه بجزئيات الامور ،حتي ذكر ان رجل ببغداد عمل دعوة وغسل يديه قبل اضيافه فكتب له الناصر –سوء الادب من صاحب الدار -)
باختصار تحول التجسس لديه الي لعبة لا تفترق عن الضرب بالبندق وتطيير الحمام.
فهل خلا عصره من الاحداث الجسام ؟بحيث يتفرغ امام المسلمين وخليفتهم الى هذه التفاهات ؟ان القارئ لسنوات حكم الناصر (575-623)يجدها حافله بالاحداث الجسام التي حفرت في ذكرانا الاسلاميه والقوميه .وكان الناصر عنها غائبا بحيث يغيب في سطور التاريخ نفسها،إذ اجبرت تلك الاحداث وابطالها التاريخ والمؤرخين على العكوف عليها تسجيلا تاركين الناصر يتلاعب بالحمام والبندق والتجسس والظلم ..
ونعطي امثله للاحداث التي غاب عنها الناصر :
1-فقد ادرك الناصر جهود صلاح الدين الايوبي ضد الصليبين بانتصار حطين واستعادة بيت المقدس سنة 583 بعد احتلال دام 91 سنة .وما نتج عن ذلك من قيام الحمله الصليبيه الثالثه الالمانيه الانجليزيه وصراعها مع صلاح الدين واستعادتها لعكا ، وعقد ريتشارد قلب الاسد الصلح مع صلاح الدين (صلح الرمله سنة 588).
ومات صلاح الدين في 27 صفر سنة 589 ،وجاء رسول من الايوبين الى الخليفه الناصر يحمل معه لامة الحرب التي كان يضعها صلاح الدين على رأسه والفرس التي كان يركبها ،ومقدار ما تركه صلاح الدين من اموال ، وهو دينار واحد وستة وثلاثون درهما لم يخلف غيرها..
فهل يا ترى بعثوا بذلك للخليفه التافه على سبيل العظه ،ام الاستهزاء،ام ابراء الذمه ؟
2- وهجم الصليبيون على رشيد وفوه سنة 600 ،وقبلها باربع سنين حدثت في مصر مجاعه هائله بسبب توقف النيل حتى اكل الناس الكلاب والميته واكلوا بعضهم ،وجاءت الحمله الصليبيه الرابعه التي غيرت طريقها من الهجوم على مصر الى الهجوم على القسطنطينيه واستباحتها سنة 601 هـ.
ثم كانت حملة الاطفال الصليبيه ،ثم كانت الحمله الصلبيه الخامسه التي استولت على دمياط في عهد الكامل الايوبي ،واستردها المصريون بعد اربع سنوات سنة 618 هـ.
باختصار كان تاريخ العالم يسجل بالدماء والنيران في عصر الناصر العباسي وفي العالم الاسلامي الذي يقوده ، والذي جاء فيه الفرنجه الى العالم الاسلامي غزاة ..ولكنه انشغل عنهم بالهو واللعب .والتلاعب بين الحكام يوقع بينهم الحب او البغضاء ..
*وعن طريق احدى هذه اللعب كان تدمير الدوله العباسيه فيما بعد على يد المغول .
إذ ان الناصر بأحدى الاعيبه اوقع بين جنكيز خام وخوارزم شاه هناك في الشرق البعيد.. وقامت الحرب بينهما، واشتعل الثأر بين الزعيمين القويين ،واستمر الثإر بين جلال الدين المنكبرتي ابن خوارزم شاه والمغول .وتمكن المغول من تدميرالدولة الخوارزمية الاسلامية واتضح الطريق امام المغول للزحف نحو المسلمين بعد ان ازالو ذلك الحائط الذي كان يفصلهم عن الدوله العباسيه وبعدها كان تدمير الدولة العباسية سنة 656 ..
*ترى هل كان ذلك الخليفه- الذي كان يعلم الغيب بزعمهم- يدرك انه كان يحفر قبور آله واسرته ودولته؟